-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

حب حتى الوجع (قصة قصيرة) الكاتب حسن عبد السلام أبو ديه

حب حتى الوجع ..


عندما ولجت مدينة رام الله، كنت كمن يخلع نعليه و يتربع على الرصيف ليقرأ رواية متشابكة الأحداث والشخصيات، ينفث دخان سيجارته فيما أسند ظهره لبقايا سور ضخامة حجارته تشي بعمره المعتق، و كأنه شاهد صامت على الحدث .. 


جال بصري في وجوه المارين، كان كل وجه حكاية، تتقاطع وتنسجم مع الحكايا التي تقطع الطرقات الضيقة جيئة و ذهابا ..


بدأت في تلك اللحظات لعبة التخمين، أحاول معرفة أبناء و بنات القرى القادمين للمدينة الصغيرة لغرض ما من قاطنيها، لم يكن الأمر عسيرا، فالوجه الباهت، و السمرة الجافة - رغم محاولة إخفائها عند الجيل الفتي - تحمل غبار طرقات القرى الترابية .. و في كثير من اﻷحايين تلعثم الشارع تحت أقدامهم يدعم تخميني ..


على الجدران هنا، كما في القرى، تقرأ سجل نضالات شعب أرهق الاحتلال بصموده، فصور الشهداء، و الكتابات المتناثرة و البيانات الملصقة على الجدران تبقي نبض من ذهبوا حيا بيننا، يمر الكثيرون أمامها دون مجرد التفاتة أو لحظة توقف .. يكسرني من اﻷعماق هذا الانغماس في تفاصيل الحياة اليومية دون ترك مساحة و لو قصيرة للوقوف أمام الذات المعلقة على الجدران... فكثير منهم كان بالأمس القريب بيننا .. بعضهم غيبته القضبان .. و البعض غيبه رصاص الاحتلال .. و جميعهم غيبهم  رحى المتطلبات اللازمة للحياة ..


قال لي بائع عصير يركن عربته على دوار المنارة .. " انت مش من هون .. صح ؟ "

 أجبته : بل من هنا، أنا فلسطيني من قرية يالو .. 

قال: من القرى المدمرة .. " قصدي مش ساكن هون، جاي زيارة "

ابتسمت : أن لا أكون ساكنا هنا، فهذا لا يعني أني لست من هنا ..

رد : تأتون لبلادكم كالسائحين .. في العطل الصيفية فقط ..بتعرف كيف عرفت؟ 

لم ينتظر جوابا مني .. بل تابع، رأيتك تتأمل صورة الشهيد الملصقة على الحائط .. هناك بالقرب من الملصق الذي ينادي بالحرية للأسرى .. لا تستغرب أننا لا نقف كثيرا أمام تلك الملصقات .. ربما ﻷننا لا نريد أن نتفاجأ بأن الصورة المعلقة هي صورتنا .. 


ألقى قنبلته هذه علي .. و مضى ليقدم كأس عصير لزبون ما ..

و لم يدر أنه ألقى بي بين حجري رحى .. تأتون لبلادكم كالسائحين .. لا نريد أن نتفاجأ بأن الصورة المعلقة هي صورتنا ..


دار بصري في المكان ﻷدرك أن رام الله أصغر من قصيدة .. و أعمق من دواوين شعر .. 

و إني أحبها حتى الوجع.

عن محرر المقال

ليلى احمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية