تضحية
نادى مناد بصوت أجش زلزل به أرض المعركة (يا أيتها الخيل طئي جسد الحسين وهشمي صدره). لم نعرف الى أين نفرَ بعد أن أحرقوا الخيام ولم يبق لنا نحن الأطفال أحد الَا عمنا العليل وعمتنا التي تحاول أن تتفقدنا الواحد بعد الآخر، وبقية النساء الثكالى. تلاقت نظراتنا، أخذتنا الحيرى والرهبة، ولم نصدق ما سمعناه. صُعقنا وهوينا الى الأرض. أجهشنا بالبكاء، وشتتْ كثافة الدخان أنظارنا شاعرين بحرقة في عيوننا. لكن ابن عمي رغم ذلك نهض ماسحاً دموعه بيديه المرتجفتين، قائلاً لنا بحماسٍ واصرارٍ عما يجب أن نفعله، ولكن دون أن نخبر عمتنا. وافقناه دون تردد، رغم الخوف المتغلغل فينا. وانتظرنا اللَحظة الحاسمة. ثم ركضنا بكل قوتنا وارتمينا فوق الجسد مقطوع الرأس. كانت لحظة مرعبة جداً، لم نشهد مثلها من قبل، ونحن نشاهد حوافر الخيل المثقلة بالحديد تقترب منا بسرعة رهيبة. يحيطها الغبار المتطاير وهي تضرب الأرض بقوة تكاد أن تحفرها. أغمضتُ عيني منتظراً أن يتهشم صدري وصدر اخوتي يغمرني الحماس للتضحية.
أخذتني الرَجفة عندما ربت أبي على كتفي الأيمن قائلاً بصوته الرَخيم: -
- ألا يكفي وقوفك كلَ هذا الوقت أمام لوحة وطء الخيل جسد الأمام الحسين عليه السلام.
مناف كاظم محسن
5 محرم 1443
