-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

علي بنساعود وقراءته النقدية لنص "هزيمة" لـ أسماء القرقني...قصة تكشف المستور

 "هزيمة" لأسماء القرقني:

قصة تكشف المستور
بقلم الأستاذ/ علي بنساعود





( ١ )
"هزيمة" نص قصصي للأستاذة أسماء القرقني، وهو نص ممتع، شيق، وعميق... والملاحظ أن العنوان، كعتبة أولى، منتقى بعناية وروية وذكاء... وهو دال على حدث، وليس على مكان أو شخصية... وعليه، نرجح أن تكون الهزيمة هي الحدث المحوري الأبرز في القصة...
وإذا ما توقفنا عند كلمة الهزيمة فسنجد أنها اسم من فعل هزم يهزم هزما وهزيمة وهزيما... وهزم خصمه: غلبه، وكسَر شوكتَه، وانتصر عليه، وقهَره... والهزيمة في القتال: انكسار وخسران...
وإذا كانت الهزيمة هي الحدث المحوري المفترض في النص، فإننا بمجرد الوقوف عندها، تتبادر إلى أذهاننا باقي الأسئلة الستة: من الذي هزم/ انهزم؟ وأين وقع ذلك؟ ومتى وقع؟ وكيف وقع؟ ولماذا وقع؟
وعليه فإننا نسارع للقراءة متشوقين، عسانا نظفر بإجابات شافية على أسئلتنا.
( ٢ )
في مفتتح القصة، يطالعنا سارد/شخصية، سنعرف لا حقا أنه جندي سابق، وهو، لحظةَ السرد، واقف أمام مرآة يعدل خصلات شعره الطويلة النافرة ويهذّب مظهره الخشن المهمل، ويصرح بأنه لم يتفحص محياه في المرآة منذ فترة طويلة، وأنه يشعر بالحزن وهو يتأمّل التغيير الذي طرأ على ملامحه، حيث جفناه محتقنان، ووجنتاه ضامرتان تبدو عظامهما بارزة بصورة منفرة، وشفتاه يابستان، ونظراته تائهة...
كما نعرف أنه ينزعج من ضجيج أغاني النصر وأهازيجه! أي أنه منزعج من الحرب ومخلفاتها!
وهكذا، عوض أن نحصل على أجوبة تنضاف لنا تساؤلاتنا أخرى، فنقول:
_لماذا مظهر الجندي خشن مهمل؟
_ولماذا لم يتفحص محياه في المرآة منذ فترة طويلة؟
_وما سبب التغيير الذي طرأ على ملامحه؟
_ولماذا هو منزعج من أغاني النصر وأهازيجه ويعتبرها مجرد ضجيج!؟
هل للأمر علاقة بالعنوان: "هزيمة" مثلا، هل خاض هذا الجندي مع جيش بلاده معركة ما وانهزم فيها، وعوض أن يُقر نظام بلاده بهزيمته اعتبرها نصرا، وراح يذيع أناشيد النصر وأهازيجه؟
نواصل القراءة فتنضاف إلى تساؤلاتنا تساؤلات جديدة، إذ نتعرف على أن هذا الجندي كان يعيش منعزلا في بيته، لم تراوده الرغبة في الخروج والكلام إلا عندما سمع أنّ صديقه عاد من غربته بعد غياب طويل، فخرج لرؤيته وبث حزنه وشكواه بين يديه لعله يشعر به.
وهنا أيضا نتساءل: ما سبب حزن الجندي وانعزاله؟ وهل لذلك علاقة بحرب ما أعقبتها هزيمة؟
ومعلوم أن توالي الأسئلة يضاعف تشويقنا كقراء لمعرفة ماذا حدث؟ ومن فعل؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف؟
( ٣ )
نتدحرج مع السطور فنكتشف أن الجندي مصاب بـ"عقدة الناجي"، وهي نوع من الاضطرابات النفسية التي تحدث للشخص بعد تعرضه لحادث أو تهديد خطير أو صدمة استثنائية غير متوقعة، فيجد بعض الناجين أنفسهم يتساءلون عن سبب نجاتهم من هذا الحادث أو لِم كانت معاناتهم أقل من الآخرين؟
ومن الأعراض النفسية لهذه العقدة الشعور بالذنب والاكتئاب والإحساس بالعجز... ويرى الأخصائيون أن لعقدة ذنب الناجي تأثيرا قويا على حياة الشخص وعمله...
وعن سبب هذه العقدة في قصتنا، يحكي الجندي: ذهبنا إلى الحرب جميعاً، (أي هو ومجموعة من أصدقائه ورفاقه الذين كانوا يجالسونه في المقهى) لكنني عدت وحدي، شعرت بهوة في قلبي وأنا أتأمّل أماكنهم الخالية..."
ويضيف:
"-قيل لنا إنّ النصر لا يفصلنا عنه سوى خطوات بسيطة، الفرحة جعلتنا نراه أمامنا (...)"
ويواصل:
"-بلَّغَنَا آمِرُ كتيبتنا، (...) أن لديه معلومات من القيادة تؤكد أنّ أقوى وأشرس سرية للعدو توجد في الوادي الجنوبي، وبالقضاء عليها سيكون الانتصار قاب قوسين أو أدنى.
أطلقنا النيران بطريقة جنونية، لم نجد أي مقاومة، إبادتهم لم تأخذ وقتاً لدرجة أننا أُصبنا بالذهول بسبب غفلتهم وعدم استعدادهم.
عندما هدأ كل شيء، بدأت الحقيقة المروعة تتجلى أمامنا...
من أبدناهم عن بكرة أبيهم كانوا عناصر السرية الخامسة لإحدى كتائبنا..."
وبذلك، يتضح أن سبب إصابة الجندي السابق بهذه العقدة هو أنه وزملاءه في الكتيبة نفذوا هجوما على سرية قيل لهم إنها "من أشرس سرايا العدو"، وأبادوها، ولما انتهوا من عمليتهم تلك، اكتشفوا أنهم أبادوا زملاء لهم ينتمون إلى سرية أخرى، وكان بين الضحايا أصدقاء هذا الجندي وجلساءه في المقهى، ونظرا لقوة الصدمة، فقد صوابه، يقول:
"من أبدناهم (...) كانوا عناصر السرية الخامسة لإحدى كتائبنا، لا أستطيع أن أصف لك شعورنا ونحن نركض بين جثثهم، نتفقدهم ونحيبنا يشق سكون الوادي المشؤوم..."
ومن أعراض عقدة الناجي قول الجندي السابق: "يتجسدون أمامي، يقتربون مني واحداً تلو الآخر، يقتربون كثيراً، نظراتهم تطفح غضباً، أغمضتُ عينيّ بقوة لأبعدهم عن مخيلتي، بلعت ريقي بصعوبة... أخذت أتلهى بتفقد المكان من حولي ودموعي تهطل بلا توقف، شعرت أنه أصبح ضيقا يكتم الأنفاس..."
ولأن لعقدة ذنب الناجي، كما قلنا، تأثيرا قويا على حياة الشخص وعمله، فإن الجندي: فقد صوابه، ولم يعرف ماذا حدث بعد ذلك! كيف وصل إلى قريته! ولا في أيّ حال وصل! عام كامل اعتزل فيه الناس عدا أهل بيته..."
وهكذا، يتضح أن أهم حدث في النص هو إبادة عناصر كتيبة من الجنود لزملاء لهم ينتمون لسرية من الجيش نفسه! وهذا الحادث المأساوي تسبب للشخصية الرئيسية في المعاناة من "عقدة ذنب الناجي".
(تابع للتعليق السابق)
( ٤ )
وبعدما وقفنا على الحدث المحوري الأبرز في هذه القصة، ننتقل الآن للإجابة على ما تبقى من الأسئلة التي طرحناها أعلاه...
_من ارتكب جريمة الإبادة؟ وفي حق من ارتكبت؟ (الشخصيات)
الجواب، كما قلنا أعلاه، هو أن كتيبة من الجيش هي التي ارتكبت جريمة الإبادة في حق سرية تنتمي للجيش نفسه!
_متى وقعت الجريمة؟ (الزمن)
وقعت الجريمة قبل عام، أي أن زمن الأحداث سابق عن زمن السرد بعام، يقول الجندي: "عام كامل اعتزلت فيه الناس عدا أهل بيتي."
وقد وقع حدث الإبادة ذاك خلال إحدى أمسيات شهر كانون الثاني، ومعلوم أن هذا الشهر هو ثاني شهور السنة الميلادية، وهنا يستوقفنا مؤشران زمنيان هما: السنة الميلادية وشهر كانون الثاني.
فالسنة الميلادية تحيل على ميلاد النبي عيسى بن مريم، أي أنها تحيل على الولادة، والخلق، والاستخلاف والبناء والكدح وعمارة الأٍرض، أما كانون الثاني فهو الشهر الأول من شهور السنة الميلادية حسب الأسماء السريانية المستعملة في بلاد الشام والعراق، ويقابله في التسمية الخليجية والمصرية والمغربية شهر يناير، وحسب لسان العرب، فالكانونان شهران في قلب الشتاء، والشتاء كما نعلم مطر، وحرث، وخصب وكدح وشقاء... وينسب اسم هذا الشهر إلى جانوس إله الشمس لدى الرومان، وهو إله الحرب والسِلم والبدايات والنهايات.
مما سلف، نستطيع أن نستنتج أن زمن الأحداث (سنة وشهرا) يرمز إلى البداية والخصب والولادة والخلق والكدح والعمارة، غير أن القاصة اختارت هذا الزمن لا لتحيل على هذه الدلالات والمعاني، بل لتحيل على نقيضها من قتل وإبادة ودمار!
وباعتبار ما يحيل عليه هذا الزمن من بدايات وحرب وقتل... يمكننا أن نجتزف ونرى فيه أيضا إحالة على أول جريمة في تاريخ البشرية، (قتل قابيل لأخيه هابيل) ونرجح هذا التأويل لأن الحدث المحوري في النص هو قتل بل إبادة كتيبة لعناصر سرية كاملة تجمعهم وإياهم أيضا رابطة الأخوة، لكنها ليست أخوة دم بل أخوَّة وطن، وأخوة لغة، وأخوة جيرة وزمالة وصداقة، وأخوة عادات وتقاليد، فضلاً عن أخوة الإنسانية...
يقول السارد/ الجندي: "من أبدناهم عن بكرة أبيهم كانت السرية الخامسة لإحدى كتائبنا" أي أنها سرية منا وإلينا.
_أين وقع ذلك؟ (المكان)
جوابا على هذا السؤال، نقول إن الحدث المحوري الأبرز في القصة والذي هو "القتل والإبادة" وقع بالوادي الجنوبي، والوادي منفرج بين جبال أو تِلال أو آكام يكون منفذًا للسَّيْل ومسلكًا، يحوي عادة مجرى مائيًّا مثل وادي النِّيل شريان الحياة في مصر... وعادة، تشرف على الوادي من جانبيه أراضٍ أعلى منه، تتميز بخصوبة، لذلك، فهي صالحة للزراعة ونمو النباتات والحشائش، ويمكن العيش عليها، وإقامة العمران...
غير أن الوادي في النص "مشؤوم" إذ عوض أن يكون أرض خصب وزراعة وعيش واستقرار وعمران، نجد القاصة جعلته واديا للدماء، والحرب والقتل والإبادة والتدمير!
_كيف وقعت الإبادة؟
وقعت جريمة الإبادة بطريقة ماكرة مخطط لها بعناية فائقة، حيث تم التغرير بالكتيبة، إذ قيل لعناصرها إن "النصر لا يفصلنا عنه سوى خطوات بسيطة"، كما تم إبلاغهم بأن أقوى وأشرس سرية للعدو توجد في الوادي الجنوبي، وبالقضاء عليها سيكون الانتصار قاب قوسين أو أدنى. فانطلق الجنود المغرر بهم يطلقون النار بطريقة جنونية، فلم يجدوا أي مقاومة، فأبادوا السرية...
_من المسؤول عن هذه الجريمة النكراء؟
جوابا عن هذا السؤال، قدم النص جوابين، واحد قاله الصديق والثاني قاله الجندي، فحينما سأل الصديق الجندي عن مصير "الآمر" الذي أبلغهم بالتعليمات، قال الجندي:
"طأطأت رأسي في أسى وغمغمت بصوت خفيض:
-يقولون إنه أصيب بالجنون
-هذا أقلّ عقاب له."
من خلال هذا الحوار يتبين لنا أن الصديق يعتبر أن "الآمر" هو المسؤول، وأنه حين أصيب بالجُنون نال عقابه، غير أن الجندي لم يكن يشاطره هذا الرأي، إذ أجابه "في أسى ورجاء:
-" صدقني… الآمر معلوماته كانت مؤكدة."
وهذا الجواب يحيلنا على ما سبق للجندي أن قاله في موضع آخر من هذه القصة:
"بلّغنا آمر كتيبتنا، تلك الأمسية، أن لديه معلومات من القيادة تؤكد أنّ أقوى وأشرس سرية للعدو توجد في الوادي..."
وهو بقوله هذا يتهم القيادة مباشرة ويحملها مسؤولية ما وقع، ليس هذا فحسب، بل يتهم القيادة، ولحاجة في نفس يعثوب، بالتآمر على السرية الخامسة، والكيد لها ونصب الكمائن لإبادتها والتخلص منها، ما يعني أن الجندي وزملاءه وآمر الكتيبة، كلهم ضحايا قيادة مستبدة بعيدة عن المحاسبة، تتلاعب بأرواح الناس وبمصائرهم... دون حسيب أو رقيب.
(تابع للتعليق السابق)
( ٥ )
وماذا عن الهزيمة؟
الملاحظ هو أنه لم تكن في القصة حرب ليكون هناك نصر وهزيمة، لذلك نرجح أن الهزيمة المقصودة في العنوان ليست عسكرية بل نفسية، والهزيمة النفسية، حسب المعاجم هي: "يأس من إمكانية أي عمل إيجابي". وهي تنتج عن مخطط تضعه دولة أو مجموعة دول لدعاية تستهدف دولا أو جماعات معادية أو محايدة أو صديقة، للتأثير على آرائها وعواطفها واتجاهاتها وسلوكها، بطريقة تساعد على تحقيق سياسة الدولة المستخدمة لها وأهدافها.
ويرى المختصون أن الحرب النفسية التي تخوضها بعض الدول والأنظمة الحاكمة ضد شعوبها أخطر من الحرب النفسية الموجهة من الدولة المعادية، إذ يصبح المواطن في حالة من دفاع عن وجوده، كما يصبح كل المواطنين متهمين حتى تتبث براءتهم، فمن سأل أو حاول أن يفهم فهو محرض ومشاغب، ومن كان على حياد والتزم الصمت قد يكون مخططا وخائنا يعمل بهدوء، ومن انتقد أو احتج وعلا صوته، فهو مكدر للأمن والسلم الاجتماعي، ومن كان إمَّعة لا رأي له يتبع الركب وينافق ويطبل، فهو المواطن الصالح المتعاون الذي يعمل للصالح العام!
وتستغل الحرب النفسية مشاعر الخوف والقلق للسيطرة على الإنسان، واستغلال الدوافع والحاجات الأساسية سواء كانت حاجات أولية، كالجوع والعطش، أو ثانوية كالتقدير الاجتماعي وتحصين الذات، لذلك، لا غرابة أن تعيش معظم الشعوب العربية وشغلها الشاغل رغيف خبز وجرعة ماء وقرص دواء، وهذا مدخل مهم وحساس للسيطرة على النفوس وإرادة الشعوب.
وتستخدم الحرب النفسية في ظل الأنظمة الاستبدادية للنيل من عزيمة المواطنين الشرفاء وإدخال روح الهزيمة واليأس إليهم، فتتلاشى أحلامهم، وتنقلب آمالهم وطموحاتهم إلى يأس وإحباط، فيعيش المواطن صراعا داخليا بين أستطيع ولا أستطيع، وسرعان ما يشعر بالعجز والضعف، ويقف متفرجا عما يجري دون أن يجرؤ على أن الكلام أو إبداء الرأي...
ولعل ذاك هو حال الجندي وكتيبته في هذه القصة، إذ ذهبوا ضحية تغرير القيادة وخططها الماكرة، لتتطور معاناة الجندي إلى عقدة ذنب الناجي، ليحزن ويكتئب وينعزل، وذاك أقصى ما ترغب فيه القيادات الفاسدة المستبدة.
( ٦ )
وإذا ما نحن حاولنا تأويل أحداث القصة وإسقاطها على واقعنا المعيش، فيمكننا أن نعتبر أن القاصة استعملت الجيش في هذا النص كناية عن الشعب، والسرية الخامسة كناية عن جزء من هذا الشعب، إما أقلية دينية أو عرقية أو ثقافية... أو كناية عن حزب معارض أو هيأة حقوقية... أما الكتيبة فهي جزء آخر من الشعب، استخدمت كناية عن هؤلاء الذين يتم استغلالهم والتغرير بهم وتجييشهم لمواجهة إخوانهم من أبناء الشعب نفسه والتصدي لهم سواء كانوا معارضة أو أقليات أو منتقدين... فينشغل هؤلاء وأولئك بالاقتتال والتخوين والتشهير بينما تنصرف السلطة الباغية المستبدة إلى التنعم بخيرات البلاد وثرواتها... لا من يزعجها أو يعكر صفوها...
وبهذا تكون الأستاذة أسماء القرقني قد تفوقت في التعبير عن قضية ذات راهنية تعاني منها أغلب شعوبنا المغلوبة على أمرها... وهو حال مرشح للاستفحال في الزمن المنظور على الأقل... سيما أن مخططات الحرب النفسية تؤتي أكلها، إذ تكسر شوكة المستضعفين، وتقهرهم، وتفقدهم الثقة في أنفسهم وقدراتهم، وتدخل اليأس إلى قلوبهم...
هنيئا أستاذة أسماء هذا السحر، ومزيدا من الإبداع والعطاء.
علي بن ساعود
_________
نص القصة:
هزيمة
🖊
تسللت رياح كانون الثاني القاسية من شقوق النافذة ، اصطدمت برودتها بوجهي وأنا أقف أمام المرآة أعدل خصلات شعري الطويلة النافرة وأهذّب مظهري الخشن المهمل دون جدوى ،،، لم أتفحص محياي في المرآة منذ فترة طويلة ،شعرت بالحزن وأنا أتأمّل التغيير الكبير الذي طرأ على ملامحي ، جفنان محتقنان لا يلتقيان إلا خلسة ، وجنتان ضامرتان تبدو عظامهما بارزة بصورة منفرة ، شفتان يابستان ، نظرات تائهة.
يالهذا الضجيج المزعج ، مازالوا يضعون اغاني واهازيج النصر ! زفرت بسخرية ، اطفأت الراديو بغل ، يكفيني ضجيج لومها وتأنيبها ونعوتها القاسية
( ماذا دهاك؟ هل جننت ؟ صار النوم بجانبك محنة)
لم تراودني الرغبة في الخروج والكلام إلا عندما سمعت أنّ صديقي قد عاد من غربته بعد غياب طويل ، خرقت تلك العزلة التي فرضتها على نفسي ، تحرقت شوقاً لرؤيته وبث حزني وشكواي بين يديه لعله يشعر بي.
جلست في المقهى الذي كان أثيراً لدي، رحمة الله تتغمد رفاقي ، كان أغلبهم من السرية الخامسة لأحد كتائب جيشنا. ، كم جلسنا هنا وعلت ثرثرتنا ومزاحنا ،ذهبنا للحرب جميعاً لكنني عدت وحدي ، شعرت بهوة في قلبي وأنا أتأمّل أماكنهم الخالية ، سرت في جسدي رعشة هائلة وأنا أراهم يتجسدون أمامي ، يقتربون مني واحداً تلو الآخر ، يقتربون كثيراً ، نظراتهم تطفح غضباً ،أغمضتُ عينيّ بقوة لأبعدهم عن مخيلتي ، بلعت ريقي بصعوبة ، جمعت شتات نفسي بمشقة ، أخذت أتلهى بتفقد المكان من حولي ودموعي تهطل بلا توقف، شعرت انه اصبح ضيقا يكتم الأنفاس ، أُسدلت على النوافذ ستائر سوداء طويلة حجبت نور النهار ، ووضعت اجهزة تكييف حديثة بدل المدفأة العتيقة ، لكنها لا تعمل على مايبدو فرجفة البرد لم تفارقني ، وحدها الكراسي المخملية ظلت على حالها ولم تتغير .
جلس رفيقي واجماَ بعد أن صافحني بحرارة ،، سألني عن حالي وصحتي ..و عن مصائر بعض رفاقنا ممن شهدوا الحرب فهو لم يهتم في غربته سوى بتفاصيل انتصارنا فيها..
تمعن في هيئتي:
-تغيرت كثيرا
هذه الجملة التي كنت أخشاها، وفي نفس الوقت أتوقع سماعها
- أعرف ،،ربما عليّ أن أسرد لك أحداث ذاك اليوم لتعرف ….
أخذت نفساً عميقاً قبل أن أضيف:
-قيل لنا إنّ النصر لا يفصلنا عنه سوى خطوات بسيطة ،،،الفرحة جعلتنا نراه أمامنا رغم ازدحام قبور أحبابنا من حولنا ونتن رائحتهم التي لم يفلح في سترها الدفن العشوائي .
توقفت قليلاً لأبلل شفاهي الجافة ،و ألتقط خيط البداية ، كانت تصل الى لساني وتتراجع ، لم اجرؤ على البوح
-بلّغنا آمر كتيبتنا تلك الامسية أن لديه معلومات من القيادة تؤكد أنّ أقوى وأشرس سرية للعدو توجد في الوادي الجنوبي ، وبالقضاء عليها سيكون الإنتصار قاب قوسين أو أدنى .
ضربنا النيران بكثافة ، بطريقة جنونية ، لم نجد أي مقاومة ، إبادتهم لم تأخذ وقتاً لدرجة أُصبنا بالذهول بسبب غفلتهم وعدم استعدادهم .
عندما هدأ كل شيء ، بدأت الحقيقة المروعة تتجلى أمامنا ،
من أبدناهم عن بكرة أبيهم كانت السرية الخامسة لأحد كتائبنا ، لا أستطيع أن أصف لك شعورنا ونحن نركض بين جثثهم ، نتفقدهم وصوت نحيبنا يشق سكون الوادي المشؤوم ، كان الآمر يردد بطريقة هستيرية:
- المعلومات مؤكدة المعلومات مؤكدة.
يومها فقدت صوابي لا اعرف ماذا حدث بعد ذلك ؟؟كيف وصلت الى قريتي ؟؟ولا في أيّ حال وصلت ؟؟ عام كامل اعتزلت فيه الناس عدا أهل بيتي
-وماذا عن الآمر؟؟
طأطأت رأسي في اسى وغمغمت بصوت خفيض:
- يقولون إنه أصيب بالجنون
-هذا أقلّ عقاب له
ساد صمت ثقيل بيننا برهة قصيرة ،، شعرت بتلك الاعراض تعاودني ، وخز كالدبابيس يسري في جسدي ، رعشة في اطرافي ، اضطراب في نبضي
شددت على كفه بما تبقى لي من قوة وأنا أهمّ بالمغادرة
قلت في أسى ورجاء:
- صدقني… الآمر معلوماته كانت مؤكدة.
_______
أسماء القرقني

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية