قصة قصيرة
#عندما_يزهرُ_الياسمينُ
يقفُ أمامَ نافذةٍ كبيرةٍ تُطلُّ على شارعٍ مكتظٍّ بالمارّةِ، وكأنّهُ يناقضُ مايحدثُ منْ زحمةٍ في الخارجِ وهدوءٍ في قاعةِ الصّالةِ التي يضعُ فيها لوحاتهِ وقد علّقها بشكلٍ مرتبٍ متزامنًا معَ الأيامِ والسّنواتِ التي رسمَها، وفي وسطِ القاعةِ يضعُ لوحتَهُ التي تنطقُ بحروفِ الحبِّ وكأنّها قصيدةٌ لنزارٍ يدندنُها القيصرُ بكلِّ جمالِ احساسهِ.
يُشعلُ سيجارةً ويتمتمُ في داخلهِ بعدَ أنْ أخذَ نفسًا عميقًا وكأنّهُ يريدُ تهدئةَ صدرهِ منْ همومٍ وفراقٍ أثقلهَ ألمًا وغربةً (سيكونُ يومًا مميّزًا..أنا متأكدٌ منْ ذلكَ) يبتسمُ وعلامات الرّضا والأملِ باديةً على وجههِ.
يزدادُ الضّجيجُ خارجًا بسببِ الباعةِ المتجولينَ إلاّ أنّهُ يبدأُ بترتيبِ ذاتهِ وربطةِ عنقهِ لاستقبالِ الزّائرين.
ربّما منَ الصّعبِ إقناعُ الزّائرِ بإقتناءِ لوحةٍ أو شرائها في هذا الزّمنِ الذي كلُّ منْ فيهِ يبحثُ عمّا يسدُّ رمقهُ منْ جوعٍ وحاجاتٍ ضروريّةٍ.
تتباطأُ اللّحظاتُ ويفرغُ صبرَهُ بلفافاتِ التّبغِ التي كثيرًا ماكوتْ أصابعهُ وهوَ شاردُ الذّهنِ يفكّرُ مليًّا بأبطالِ لوحاتهِ وهمومهم.
ينظرُ إلى إحدى لوحاتهِ ..الأقرب إلى النافذةِ..هاهي الألوانُ تتمايلُ بفوضى كبيرةٍ داخلَ جسدٍ يجلسُ في الرّكنِ قريبًا إلى شجرةٍ نصف خضراء وكأنّ أعضاءَه قدْ تعطّلتْ، تحومُ حولَهُ أيادٍ تخرجُ منَ الأرضِ بأصابعَ شبهُ مبتورةٍ، يتذكّرُ الوقتَ الذي قضاهُ وهو يرسمُ لوحتَهُ، كانَ البرد يتسلّلُ إلى أعماقهِ حتّى كادتِ الرّيشةُ أنْ تسقطَ منْ أصابعِهِ، لمْ يكنْ يرافقهُ سوى موسيقا هادئةٍ ودفءٌ بسيطٌ منْ سيجارتهِ، وفي أعلى اللّوحةِ قتامةُ أطلالٍ نعقَ عليها غرابُ الغربةِ.
-كيفَ لاتكونُ حزينةً..بائسةً..عاتمةً...وكلُّ مافيها يضجُّ بثورةِ بطونٍ لجياعٍ أو صرخةٍ لمظلومٍ أو دمعة ثكلى؟
يمدُّ يدهُ إلى جيبهِ ليمسحَ بمنديلٍ جبينَهُ الذي كلّلهُ العرقُ، تتسابقُ أصابعُ ناعمةٌ فتمسحُ لهُ العرقَ المتصبّبَ بهدوءٍ، يلتفتُ جانبًا ليراها تقفُ أمامَهُ بكاملِ أناقتها المعتادةِ وعطرها المميزِ ،وذاكَ الشّالُ الصّغيرُ حولَ عنقها يتدلّى منْ خلفهِ عقدٌ لحرفينِ منْ اسمهما اعتادتْ أنْ ترتديهِ دومًا، تخونهُ الكلماتُ ويبقى للنظراتِ سحرُها.
يجمعُ ماتناثرَ منْ نبضاتٍ داخلَ القلبِ ليسألها:
_كمْ لبثنَا ؟
_عمرٌ يعادلُ شوقَنا...وحنينٌ لما بقيَ منهُ.
_أيناكِ ياتوءمَ الرّوحِ ؟
_على بعدِ ذاكرةٍ مليئةٍ بالهمومِ..تكلّلها لسعاتُ غربةٍ.
_انظري إلى الألوانِ خلفكَ..أصبحتْ باهتةً ،لاروحَ فيها،منذُ أنْ غبتِ عنّي
تمتّدُ يدها لتمسكَ بأصابعَ لطالما اشتاقتْ لضمّها..لجمالٍ تنثرهُ على صفحاتهِ البيضاءَ فتصبحُ لوحةً ناطقةً بالفرحِ والحبِّ.
يدخلُ الزّوارُ وتبدأُ المعجباتُ بالإلتفافِ حولَ ذاكَ الفنان الذي سحرهنَ بفنّهِ ووسامتهِ.
أسئلةٌ هنااا..وأجوبةٌ هناكَ..وتعجُّ القاعةُ بكلِّ الأعمارِ.
ويختفي عطرُها...يتفقّدُ ذاكَ الحنانُ..ذاك الدفء بينَ أصابعها..كلماتها..وأنفاسها، يتحركُ بسرعةٍ بينَ الموجودين..يزدادُ خفقانُ قلبهِ، يلتفتُ إلى اللّوحةِ التي نطقتْ بحبهما في أولِ لقاءٍ بينهما.
يجدُها داخلَ اللّوحةِ تلوّحُ بيدها منْ بعيدٍ، وإبتسامةٌ لاتفارقُ وجهَها وكأنّها تقولُ :
_حينَ يزهرُ الياسمينُ..لنا لقاءٌ قريبٌ.
يبتسمُ، ويشعلُ سيجارةً لينفثَ مجدّدًا على الزجاجِ المنّدى أمامَهُ، فترتسمُ ياسمينةٌ بضبابِ دخانٍ..ليفوحَ داخلَ روحهِ عطرُ الياسمينِ .
أميرة إبراهيم /سوريّة
