نبضات
عندما تسلل في ذلك المساء، ملفوظاً ومن معه كلاجئين في عالمٍ مظلم، مرميين إلى اقدارهم، تزاحموا فيما بينهم متسابقين نحو طوق نجاة، فسبق الجميع للظفر بالطوق، الذي إحتضنه إحتضان الواله، فيما هو أمسك به إمساك الخائف، الذي وجد به ضالته. وسرعان ما إمتشجا فصارا واحداً يكبر ويكبر، في غياهب عالمه الجديد، الذي لم يفقه به شيئا، حتى ولوج جسده مالم يعرف كنهه، فتحسس المكان المملوء بالماء الدافئ، وعرف بأن حبلاً مربوطاً في وسطه يجلب له الغذاء، لكن لا يعرف أين طرفه الآخر.
بدأ يسمع دقات نبض تأتي من خارج عالمه المائي، فيطرب لإيقاعها تارة. ..وتارة يخيفه صوت إضطراب الدقّات الآتية .
وما أن أَلِفَ المكان وصار يضيق به، قام برفس جدار محبسه ،تعبيراً عن إمتعاضهِ لمكوثٍ يرى فيه تقييدا له، فتحولت الرفسة إلى رفسات شغب، تتكرر يوميا لعدة مرّات، لكن في كل مرة يأتيه الرد من أعلى سقف المحبس، بتمسيد يد تمرر من فوق محبسه، فيفض شغبهِ كأنه مخدر من ذاك التمسيد، الذي بات يفهم لغة عطفه، فيصرخ أن تأتي لتأخذه إلى عالمها الخارجي، الذي أحبه من خلالها، وتكونت له تصورات بأنه ما أن يخرج، سيجد فيه من الحنو والتعاطف الكثير. فداعبت مخيلته صور لجمال الخارج الذي وصلت منه إشارات، علّه يعُوض عن محبسه الأول في ذر العوالم الأُخرى، حتى أفرج عنه إلى محبس الصلائب، الذي لفظه منذ سبعة أشهر، متأملاً ان ينهي فترة ما قدر له أن يبقاها، فصار يعدُّ الزمن حتى يمسك بتلك اليد، وفيه من الأمل أن يجد بعد إطلاق سراحه عالما كان يحسّه إحساسا.
في ذلك المساء بدأ يراقب مالم يكن في حسبانه ،مراقبة الخائف الوجل، حيث الحبل لم يأت له بالغذاء كسابق عهده، وصوت نبض الخارج يعلو متسارعا بشكل مخيف، وحتى الماء الدافيء صار يتناقص، وأخذ المكان بالتصحر، ولم يجد مجيبا لرفساته، فخارت قواه، والتصق على جدار محبسه بحذر بالغ، وتبددت أحلام الأمس وتحولت الى كوابيس.
سمع صوتاً واهناً فيه رائحة الوداع، هو نفسه الصوت الذي كان يسمعهُ يترنم بتراتيل اللقاء، فكبرت علامات الاستفهام لديه، ولم يجد لها اجابة حتى أحس بسقف المكان يشج، ويد مسعفة تمتد له، لتساعده
على الخروج، وأيادٍ تتلاقفه، وأصوات مبهمة، فبحث متحسساً ألايادي والأصوات، فلم يجد بينها تلك اليد التي يفهم كلامها..فإزداد بالصراخ.
