قصة قصيرة
نداء البحر
اصطففنا ننتظر، يساورنا بصيص أمل. قلوبنا ثكلى، وعيوننا غائمة:
- لن نبرح أماكننا بدونه.
- كيف اختفى؟.
أشار البعض نحو بقعة يزوم ماءها.
شاهد عيان:
- دوامات هائلة!. خذلته فتوته، جذبته للقاع، حاول التملص، لكن التيار اشتد.
فيما كنا نتحاور.. توافد الناس من شتى الإتجاهات، وافترشوا المكان.
في تعجب:
- أكل هؤلاء أهله؟.
تعالى صوت:
- عرفناه يتيماً!.
حكت العجائز بصوت جنائزي عن الجنّيات التي تطوف بالليل، تغويهم بوجه خلاب مصطنع، تُوقعهم في شراكها، ثم تغوص بهم في أعماق بلا قرار:
- هل تُرجعه ياجدة؟.
- جائز..
- حياً أم ميتاً؟..
يأتون كل يوم، تجمعات غفيرة، يحدقون في البحر، لايملون:
- اليأس أقسى من الموت.
علق الحارس الليلي واجماً!.
- سوف يعود.
"صاح مُسن وهو يلوح بعكازه".
تساءلنا:
- أتصلح حياتنا بدونه؟.
كان طوق نجاة، في تخطي أمواج الفاقة والعوز، فكم اشتقنا لهلته الصباحية المشرقة، ثغره الباسم، قفشاته وضحكاته مع الأهل والجيران.. رجاحة عقله رغم صغر سنه. طموحاته وأحلامه.
- أمثله يموت؟.
- استغفروا ربكم.
"هتف إمام الزاوية".
أحاط العسس بالبحر، أعلن قائدهم بمكبر صوت، بأنه قد مات وشبع موتاً، ثم آمراً:
- عودوا لبيوتكم، صخور تحول دون العثور على الجثة، قد تطفو يوم ما. زمجرت أصوات منددة. أردف مدافعاً:
- "المنقذ" غير مذنب، فالراية كانت حمراء، غريب أنه لم يشاهدها!.
غالبت النسوة أدمعهن، أطلق الرجال والفتية آهات استنفار. احتشدنا جميعا، اخترقنا الحصار، أطحنا بهم في جدية؛ ألجمتهم وأفزعتهم. فأخلوا الطريق. امتطينا اللنشات والقوارب، تأهب الغطاسون، طوقنا بقع الموت..
أوقدنا المشاعل جلية؛ لما جن الليل. تراكمت سحب رمادية، أنوار مراكب تومض من بعيد..
صار البحر يتلألأ بالضوء. عزمنا ازداد صلابة.. لم يعتمل في دواخلنا سوى:
لن نرحل بدونه.
لن نرحل بدونه.
مهاب حسين/مصر.

