يوم لن يأتِي
بقلم الأديب رافع الفرطوسي
طال الوقوف أمام باب الإنتظار هذا , سنوات من التمني الذي يحييه الأمل , سنوات من الخوف رغم العزيمة اللامحدودة التي يمتلكها , أساس المكان وضع على أرضٍ معرضة للنسيان , والجدران بنُيت على عجالة , فالبنَاء كان في حالة هروبٍ دائم , هروب لا وصول بعده , أما السقف فكان من طبقة سميكة تشكلت من خليط الحلم والخيال , ذلك الخليط الذي يمنع السقوط. كل أبواب المكان سهلة الفتح والإغلاق ,عدا هذا الذي يقف أمامه كل ليلة , ورغم تأخره الذي صاحب سرقة السنوات الجميلة من عمرٍ كانت أفضل أوقاته تلك التي سبقت الوصول لهذا الباب. ستحين ساعة الفرج والفرح , أنا على يقين من ذلك : قالها لنفسه التي لم يصاحب غيرها طوال هذه الرحلة, ستحين ساعة الفتح.. ستحين سا ... , قاطعه صوت إشعار لرسالة إلكترونية رغم أنه لم يمتلك هاتفاً جوالاً قط. في الأفق الضيق الذي احتواه وذلك الباب الموصد ,ترتسم كلمات الرسالة لتظهر جلية أمام عينيه : موعدك الكبير هو يوم الثلاثون من الشهر الجاري , قصاصات من الورق الملون بدأت تتساقط كأوراق خريفية من سقفه الذي يثق به كثيراً , مكتوب عليها بوضوح : موعدك الكبير هو يوم الثلاثين من الشهر الجاري . تسللت نسيمات باردة إلى صدره , أثلجته , وتسارعت نبضات قلبه حتى كاد يسمعها , بل يراها جياد تجري في حلبةٍ لسباق الخيل , ماذا يقول او يفعل ؟ فلقد غمره مزيج من مشاعر لا يستطيع وصفها أو منحها إسم , كل ما يعرفه الآن هو أنه سعيد , يحظى بلحظات لم يدركها بغير سنوات الطفولة وهو على سريره , حين كانت المسرات تتشكل على هيئة فراشات تخترق الجدار والنافذة وتدور أمام عينيه حتى يغفو. لا وصف لحالته سوى أنه سعيد وأشياء أخرى , فلا بأس ان يعيش لحظته التي انتظرها طويلا , وستكون هناك أوقات للأشياء الأخرى. كطفلٍ يلهو أو كمشجع يستمتع بفوز من يناصره, أخذ يقفز على أرض النسيان هذه ليذكرها بعهده إليها حين أخبرها بأن الموعد قادم وإن طال انتظاره, وأنه لن يكسر الباب أبدا طالما لديه إرادة الإنتظار والوقوف .. ولماذا يكسره وهو يعلم انه سيُفتح ! مد يده إلى حلق جيبه الذي أفرغ من جوفه عبر سنين الصبر كل الأشياء بما فيها المفاتيح التي كان يجربها على الأبواب , فاكتشف ان الجيب قد إلتهم شيئا جديدا , أخرجه على الفور , فإذا هي ورقة تشبه الأوراق التي أمطرها عليه السقف , غير أنها بلا لون , كُتب عليها بالحبر الشفاف : موعدك الكبير هو يوم ... إشارات البشرى هذه وتلك ليست عبثية ولم تأتِ بالصدفة , فلقد جاءت بعد إيمان أطره بالصبر ورباه بخوفٍ شديد , يستحق بعد كل تلك المشقة ان يُفتح الباب أمامه وبكل احترام , الإحترام الذي يوازي تقديسه العتيد لبابٍ مغلق كان يشخص أمامه كجندي مطيع ! أخذ الرقم ينتشر على جدران الزمن المحيطة به , ثلاثون , ثلاثون تحتها خط أحمر, ثلاثون تحيطها دائرة مغلقة , ثلاثون خلفها نقطتين ... ثلاثون ... أدرك ان الإشارات تطالبه بالإستعداد لليوم الموعود , وإلى تقويم كتبه بخط يده اليمنى رغم أنه أعسرا , مد كلتا يديه ليتأكد من تاريخ اليوم وكم من الأيام عليه أن ينتظر حتى يلاقي الفتح القريب! إنه التاسع والعشرين من الشهر, والساعة تشير إلى نصفٍ قبل انتصاف الليل , الليل الذي إذا انتصف سيعلن ساعة الصفر ليوم جديد , ليوم سيكون يومه الكبير كما قالت الإشارات , وبشرت السقوف والجدران ..نصف ساعة وبعدها سيخلع هذا الثوب الذي أثقله وأشعره بشيخوخة مبكرة رغم أنه لا يعرف سنوات عمره بالضبط , فالتاريخ كان دائما العقبة التي تثنيه عن كل ما يتمنى تحقيقه , والحساب يوجعه لأن أرقامه تربطه بكل تاريخ حقيقي , وكم تمنى أن يكون وجعه جزءا من تاريخ مزيف وتقويم مزور ! اما في ثلاثين دقيقة قادمة , فسيكون للتاريخ أثره الجميل لأول مرة ..في قلبه وذاكرته , ستتغير كل الأشياء , فخلف الباب تكمن أشياؤه المقدرة له والمسجلة بإسمه , ولربما سيكون اسمه مطرزا عليها . عقرب ساعته الموشومة على ساعده ,استقر على الثانية عشرة , ولم يتحرك بعدها معلنا ان الأوان قد آن , بفرح يشوبه توتر , تقدم نحو الباب محاولا فتحه , نعومته الزائدة عن الحد المعروف لم تساعده على العثور على مقبض الباب , ولا حتى مكان القفل .. وما عساه يفعل بالقفل وهو لا يملك المفتاح ! ثم أن كل الأشياء أخبرته بأن اليوم هو الموعود , يداه لا تصلان إلى أي جزء من الباب , لم تفتحه النداءات ولا حتى الصرخات ,كما لم تفتحه سعة الصدر والصبر في سالف السنوات والأيام , ولكن عليه ان يستجيب اليوم...هو يوم الوعد الكبير , ولكن دون جدوى. عاد إلى تقويمه الذي خطه بيمينه رغم أنه اعسرا , قرًبه من ساعته الموشومة على ساعده .كلاهما يشيران إلى أنه اليوم الأول من الشهر. مد يده الى جوف الأرض ليخرج موثق العهد معها , غاصت في الأعماق حتى أمسكت بورقة ملفوفة , أخرجها ليفتحها بسرعة ليقرأ آخر رسائل الأرض وقد ختمتها الجدران وصادق عليها السقف : إن الرسائل التي وصلت إليك ليلة أمس لم تكن كاذبة قط , غير أنها كانت آخر ليلة من شباط ! *
النص فائز بمسابقة ملتقى السرد الروائي
رافع الفرطوسي / البصرة 2022

