الكتابة كالعبادة
كتب : أ . أمير ناظم - العراق
الكتابة كالعبادة، فحين يكبر الناس يبدأون بالصلاة في وقتها ويسكنون الجوامع ويؤدون النوافل ويعتمرون ويحجون ويزورون مراقد الأئمة والصالحين، ويكثرون من التسبيح والمستحبات، وذلك لعلمهم بدنوِّ الأجل، وتفرغهم للنسك والتعبد. على عكس أيام شبابهم المليئة بالمُتع والمغريات، فنادرا ما يؤدون عباداتهم الواجبة أو يؤدونها بعجالة...
والكُتّاب كذلك، فحين يكبرون بالسن، فمنهم من يتقاعد ومنهم من يتفرغ من عمله لعدم قدرته، وأكيدا، لعلمهم بدنوِّ الأجل، وعلمهم بان شهوات ونزوات الشباب قد أفلت وصارت مستحيلة، هنا، يتفرغون للقراءة والكتابة، وينكبون على التأليف وينجزون في سنيهم الأخيرة القليلة أكثر مما كتبوه في سني عمرهم الماضي كله.
أما الكتابة عامةً، فللقارئ أن يقرأ بداية (قصة) بعنوان المساكين وليست (رواية) لدوستويفسكي ويحصي ٧ صفحات عبارة عن رسالة من حبيب لحبيبه، ويقارن بين الكتابة قديما أيام الرسائل الورقية، والكتابة اليوم عبر الفيس بوك أو الواتساب، ويتخيل حجم القصة التي سيكتبها أديب في هذا العصر ويلاحظ التغير بين حجم أو طول النص!
بمعنى ان القراءة تبعث بإسقاطاتها على الأديب السارد تحديدا، وتؤرقه حين يحاول ان يخرج نصا رشيقا مقارنة بما قرأه من ادب كلاسيكي، ومن هنا يتولد الضياع في تجنيس القصة تحديدا، بعدد الكلمات وبالأحداث التي تشغل حكاية النص.
كما وإن الكتابة قسمان: مضمون، ولغة.
المضمون هو المعنى، وكما يقول الجاحظ: المعاني مطروحة بالطرقات، يعرفها العربي والأعجمي. فهي يسيرة وموجودة، وتُغذى بالقراءة والتأمل.
أما اللغة، فهي _بالنسبة للكاتب_ أصعب من المضمون، إذ تحتاج معرفة بالنحو والصرف والإملاء والبلاغة والنقد، والنحو وحده يكفي بان يعجز ثلاثة أرباع الكتاب عن إخراج نصوصهم صحيحة خالية من الأخطاء.
وباختيار الموضوع الجيد، وكتابته بأسلوب جيد، يكون حينها يستحق النص ان يُقرأ، وهذا ما يسعى إليه الكُتاب، وأنا منهم بالتأكيد.

