قراءة الناقدة " كنانة عيسى "
قليلة هي النصوص التي تتناوب على إطلاق المشاهد المتوالية في فضاء السرد فتقبض على خيال المتلقي، متمسكة بالهم المجتمعي وأثره الجارح والعميق، مؤطرة حقبة ما،إيغالًا بالغموض و خلق صدمة لأفق توقعاته، فتلتقط الإحساس العبثي للحياةو والإحساس الدائم بخيبة الضحية من خلال رسم دقيق لمعاناة طفل يتمسك بطريقته الخاصة جدا للهروب من مأزقه و للتعبير عن مشاعره المتضاربة في مغامرة ليلية شيقة لن تنتهي على ما يرام.
اللغة في البصمة الأسلوبية
تمكن الكاتب المبدع من خلق بصمة أسلوبية ستميزه عمن سواه من خلال إطلاق مزاج متعكر وغريزة صافية في التصوير المشهدي، لنقل الجو القوطي الموحي بالخوف والرهبة والعبثية الساخرة والمريرة فينقل لنا معاناة الريف المصري الباحث عن النور في عمق الظلمة
حين تصبح الظلمة رمزًا فعالًا؛ أداةً حانقةً لمواجهة مآسي ال(القرية الغارقة بالظلام) فتتحول لكوميدية سوداء ساخرة لا تخلو من عامل الإيلام والصدمة والنقد اللاذع المبطن بالتهكم والوجع السياسي المجتمعي.
تتفرد اللغة المتمكنة بأسلوب متصاعد أثناء بناء شخصية حسن، لكنها تنساب بسلاسة وثبات أثناء بناء مشهدية السرد، وعلى سبيل المثال:
لا يقوَ على أن يحمي وجهه النحيل من طواحين الهواء التي أهلكته
فنرى البناء الدونكيشوتي، المهزوم لشخصية حسن، البطل المفترض في الحكايا الشعبية و المشوه بطفولة مقهورة تتنبأ بمستقبله المثقل بالخيبات والانكسارات. مستقبل جيل كتبت معاناته قبل يقظته وشروعه بالحياة. فلا بطولات وانتصارات قادمة
وكما ورد في النص
حُفر الشوارع تبتلع ساقيه المُرتجفتين،
والخيبة تثقل قدميه أكثر ....يجرهما كالكسيح
خطوات حسن ثقيلة محاصرة بالرعب، مثبتة بوتد فى الأرض، أقصى أمنياته أن تهمد التهيؤات والوساوس، التي تنبح فى أذنيه كالكلاب الشرسة
المحاكمة الأخلاقية الساخرة
لانرى عامة الشعب في تمرد واحتجاج بل نراهم في مكابدة وتواطئ واسترسال في الخطيئة، الكل مجرم بطريقته الخاصة، هرمية الفساد تتناول الصغير قبل الكبير، الأم القاسية التي توقظ طفلها من مرارة الحاجة متوعدة إياه بالعقاب الجسدي الصارم،
أهل القرية المشتركين في الجريمة بغياب الضمير الفردي وسيطرة منظومة التردي والفساد الجمعية التي تنتقل إلى الطفل الذي سيسد جوعه بفاكهة مسروقة والذي
سيغدو جزءًا من مجتمع فاسد لا يحاول أحد إصلاحه.
سيصبح الفساد إرثًا مجتمعيًا لا يمكن المفاوضة عليه
يبدأ من (الكاز) المسفوك... حق الشعب العيش بكرامته الإنسانية، إلى( البرتقال المسروق) حق مغيب آخر. ينتقل بمشروعية مطلقة ليدي الطفل الذي لا يشعر بالذنب لسرقة البرتقال بل بالذتب لعدم سرقة الكاز.
وكما ورد في النص:
الظلام أضيق زنزانة انفرادية على وجه الأرض، يتساوى داخلها الصالح والطالح، الكبير والصغير،
لعبة التاريخ
المقاربة التاريخية هي نوع من الإسقاط الدلالي على الحاضر، علنية الفساد الأخلاقي تصبح هوية مقبولة بأعراف الواقع وقوانينه،اختار الكاتب المبدع فترة السبعينيات كعامل إيهام شديد الذكاء، كتورية مبطنة لواقع الريف المصري الحالي الذي عانى كثيرًا من التهميش على مدى الأزمنة الطويلة، وتعرض سكانه لتفشي الأمراض ونقص الأساسيات والقهر النفسي والإهمال والتغييب وما زال في ذات الشرخ المظلم.
منذ ماضٍ بعيد حتى حاضر الحكاية وال (الشاطر حسن)
الذي لن يستطيع حتى إنقاذ تفسه.
البناء النفسي الإنساني للشخصيات
أطلق الكاتب المبدع خيالَا جارفًا تبادلت الحواس فيه وظائفها وأسقط على المكان هوية شخصية تفاعلية تداخلت في عالم السارد القلق والمشحون بالرعب الطفولي والهواجس المتوقعة من تنمر العائلة، واللاوعي المسكون بالخرافات و الموروث و الحكايا القديمة. نتمسك بشخصية السارد بوجداننا كبطل، نتعاطف معه،نعيش خوفه المبرر، ونتذوق معه سكينة المسجد المؤقتة وسلام الشبع الملتبس بالذنب، و الخوف من العودة القاسية الفارغة، (أن تكون طفلَا مقموعًا خالي الوفاض، تنتظر العقاب) . بينما تتفرد شخصية الأم القاسية التي لا تظهِر شفقة ولا تعاطفَا و لا قلقَا على طفلها رغم معرفتها أن الغزال لا ينجو بين الأسود، كنوع من السخرية القاهرة التي ألقت سوداوية كوميدية على النص بمجمله.
لن ينجح الشاطر حسن ، ساردنا الطفل، في مسعاه الذي أقحمه فيه واقع يعيشه، فهو الخائف أبدًا و المتلبس في رحلته للمشاركة بجريمة لا يدرك فداحة تأثيرها في مستقبله المسروق أيضًا، حين يسرق الشعب وطنه ومسقبل أبنائه. لا يبقى إلا سيارة كاز فارغة تذكر الشعب بفساد مجتمعهم المظلوم والظالم.
وكما ورد في النص:
دار حسن فى نفس المكان، حافى القدمين، ولم يصل إلى منبع الجاز
حين يبدع الكاتب... فيذهل
إذهال استاذ مجدي
كنانة عيسى / سوريا
........
النص
قصة قصيرة
سيارة جاز
بقلم/ مجدي شعيشع - مصر
—-
دفعت أم حسن ابنها بوعاء فارغ ليملأه جازاً من تلك السيارة المقلوبة على الطريق.
توعدته: لأذبحنك إن تأخرت!
خرج من البيت والنوم يمتطيه، يتحسس جدران البيت كقط يأنس بصاحبه، لا تدري من منهما يستند على الآخر، يجر بقايا جسده الرخو، فى إحدى ليالي شتاء 1970، سقطت ستائر الظلام على البيوت، بعد انقطاع آخر خيوط الشمس، شهقة الرعب كألحان جنائزية، تصُم أُذُن الليل
سكنت القرية، ارتفع نباح الكلاب الضالة في الأفق، يفتت سكون الليل.
قبل أن يأوى الناس إلى فرشهم، انفجر إطار سيارة نقل، فاستحال نباح الكلاب عواء، وتحركت المياه الراكدة فى بِركة الصمت.
انتشر صدى الحادث بين البيوت، انتشار النار في الهشيم، اختلط صرير الأبواب بخشخشة النوافذ، وارتفعت الهمهمات متسللة من بين الجدران .
كانت السيارة محملة بخزان جاز يكفي لإضاءة قرية كبيرة بحجم قرية (ميت حديد).
حسن طفل نحيل، فى الثانية عشر من عمره، يغوص بين المارة من حوله ولا يرى أحداً، السماء تسقط كِسفاً سوداء تتعلق على الحوائط والنوافذ، فلم يجد أمامه إلا المسجد يلوذ به، قضى حاجته، توضأ، ثم صلى العشاء....
يتخبط الناس فى الطرقات كعميان مغتربين، أصواتهم بالذكر والهمهمات تحدد المسافات بينهم.
جفت فتائل قناديل القرية، إلا قنديل المسجد الذي بدا شاحبا، كالمحتضر المتشبث بالحياة؛ تارة يفتح إحدى عينيه المرتعشتين، وتارة يتكوم ضوءه فى ركن قصي من المسجد، يرتجف إن لفحته أي نسمة، يتسلق جداراً باهتا تعلوه صفرة داكنة، صفعه هواء بارد، اخترق شقوق نافذة متآكلة الجوانب، فسقط مغشياً عليه، ثم عاود النهوض بثبات، منتصباً من جديد متحاملا على الجدار، بعد أن أضاف إليه الجد قاسم مؤذن مسجد الوصيف بعض الماء، يطفو الجاز؛ فيستمر الفتيل فى الاشتعال.
الخوف يُفقد حسن القدرة على المشي، تتخبط ساقاه.
غرقت الطُرُق فى طوفان الظلام، واختنقت الحارات فى وجه حسن، تزاحمت الخرافات وحكايات الرعب؛ يعيشها الآن حقيقة، حبس أنفاسه وثقلت خطاه، مرة يقرأ سورة من القرآن، ومرة يلعن الجاز ومن يطلبه.
الظلام أضيق زنزانة انفرادية على وجه الأرض، يتساوى داخلها الصالح والطالح، الكبير والصغير، خطوات حسن ثقيلة محاصرة بالرعب، مثبتة بوتد فى الأرض، أقصى أمنياته أن تهمد التهيؤات والوساوس، التي تنبح فى أذنية كالكلاب الشرسة، حتى يخطو بضع خطوات بسلام.... لا شيء يدغدغ أسوار العتمة غير التقاء كل الناس على هدف واحد، حُفر الشوارع تبتلع ساقيه المُرتجفتين، والكلاب النائمة فى عرض الشارع تنهش من يصطدم بها.
تقفز الأشباح على أكتاف حسن وتتراقص كالأفاعي، لا يستطيع الإسراع أو المشي ببطء، يقتات الظلام من خفقات قلبه، وتختمر مياسم الأمن فى بتلات الخوف.
ازدحمت الطرقات بالملثمين، استباحوا فى الظلام ما يستبيحه قِط جائع تحت مائدة متخمة...
الكل يحمل صفائح، يغدون بها لخزان الوقود فارغة، ويعودون بها ممتلئة، والأقوى من يكرر المحاولة.
لم تُرفع الحدود في زمن المجاعة، فلما سقطت فى الرخاء؛ حلت المجاعة.
دار حسن فى نفس المكان، حافى القدمين، ولم يصل إلى منبع الجاز.
الخوف بنى لليأس تيهاً آخراً استعمر عقله، وخارت عزيمته، والجوع ينهش ماتبقى من قواه.
لاذ بدكان عطا، المُحاط بأفرع الشجر وأجولة الخيش الفارغة، تسلل بين أقفاص الفاكهة، تحسس الأنواع الطازجة، اختار أطيبها، غرس فيها أظافره وأنيابه حتى شبع، هدأ خفقان قلبه وتلاشى الفزع، أسند رأسه على ضباب الليل، شَعُر بالأمان؛ فنام، فالشبع رسول النوم.
أسعف أهل القرية السائق واطمأنوا عليه، ونقلوه فى مكان آمن، ثم حطوا على خزان الوقود كالجراد يحط على الأخضر واليابس، اغتصبوا حقاً لم يكن لهم، تزاحموا على سيارة الجاز زحام الماعز التي جفت أكبادها على عين ماء، حتى سحبوا ما تبقى من الخزان، ابتلعته الصفائح لتبتل فتائل القناديل؛ فحطموا الظلام، وعادت الحياة للشوارع متوهجة تخترق الآفاق.
أزاحت خيوط الفجر عتمة الليل، وأم حسن تقضم أظافرها بين خوف ورجاء، حتى وصل ابنها الضال يئن تحت ثقل الوعاء، والخيبة تثقل قدميه أكثر يجرهما كالكسيح!
ساعدته جارتهم التي جاءت تهدئ من روع أمه، سقط الوعاء بين يديها، لم تجد أمه الجاز؛ سلم لها رقبته تسليم اليائس من الحياة، لم يقوَ على أن يحمي وجهه النحيل من طواحين الهواء التي أهلكته...
وهي تدرى أن الغزلان لن تشرب بين أسود ترتوي، ثم تسبح فيما تبقى حتى تُعكِر النهر، وحسن يترنح برأسه كالبندول.
صرخت بصوتها الخشن:
- فين الجاز ؟
رد بصوت متهدج من فرط الصفعات التي طحنته:
- وجدت على جانب الطريق سيارة مقلوبة، كانت محملة بالبرتقال...
————
الجاز : هو الكيروسين مشتق من النفط، يستخدم للإضاءة.



