الخصمان
تصدع الجسر الذي يربط المدينة بالعالم الخارجي، وظهرت بعض الثقوب الكبيرة المخيفة والتي تظهر المياه من تحتها، وكان لابد للجميع من العبور بحذر كبير مخافة السقوط والغرق، وقف عند رأس الجسر شخصان، علت وجه احدهما البسمة وغشاه الجمال، بينما وقف الأخر متجهما متأففا يرتدي ملابس رثة ممزقة، وضع الأثنان بضاعتهما وكل يدعو إليها، كان الأول يبيع الزهور والبالونات الملونة وينادي بعبارات رقيقة تحث على التفاؤل والحب، بينما وضع الأخر أردية سوداء وأكفان بيضاء، وهو يحفز الناس لشرائها وينادي بعبارات تثبط الهمة والعزيمة وتبث الحزن في النفوس، كانت نظرات البغض والكراهية تظهر جلية على وجه بائع الأكفان تجاه صاحبه يقابلها بائع الزهور بنظرات التسامح والحب، أقتربت منهما شابة في مقتبل العمر تبدو تائهة سارحة في افكارها أسرع نحوها بائع الأكفان يحمل كفنه مخاطبا إياها ماذا سنأخذ من الحياة غير هذا الكفن سينسانا الجميع ولن يفكروا فينا سينكرون تضحياتنا ومافعلناه من أجلهم سيهجرنا الحبيب ويجد سعادته مع غيرنا ويعتصرنا الألم والندم فهل مثل هذه الحياة تستحق العيش، أقتربت الشابة من أحدى الحفر الواسعة في الجسر وألقت بنفسها مستسلمة للغرق، حمل بائع الزهور وردة بيضاء وأسرع نحو سيدة مسنة قد سقط رأسها على صدرها وغطى ملامحها الحزن مخاطبا إياها، لقد تعبت كثيرا في هذه الحياة وأديتي ماعليك فيحق لك اليوم أن لاتحملي هم الغد وأن تعيشي لنفسك قليلا فأنتي تستحقين الفرح تبسمت في وجهه واستنشقت عبير الوردة وعبرت الجسر ملوحة له بيدها، أخذ الاثنان يتنافسان بينهما، وكانت الجموع السائرة العابرة للجهة الأخرى كبيرة العدد، سقط بعضهم وواصل البعض الأخر العبور حبوا، وعبر بعضهم بهمة عالية ونشاط كبير، بينما جلس البعض متوسطا الجسر لم يعد يرغب بالعودة ولاتكملة المسير مرتديا الرداء الأسود الذي أحضره بائع الأكفان، أحس بائع الزهور إنه على وشك الهزيمة فأكثر المارين من أمامه منحني الظهور نظراتهم زائغة يخافون مجهولا مقدمين عليه، يقدمون قدم ويؤخرون أخرى، يلهثون متعبين، يجرون أجسادهم جرا، يحاولون العبور فيعودون متقهقرين، كتب على جوانب الجسر عبارات تشجيعية، أطلق مالديه من بالونات ملونة حثت بعض اليافعين لمطاردتها ومحاولة الأمساك بها، أطلق العابا نارية ليضيء بها ظلام الليل وليلتمس العابرون الطريق أمامهم، بادر بائع الأكفان بإلقاء عدد من قنابل الدخان، ليحجب الرؤية، ويشغل العابرين عن مشاهدة الألعاب النارية ويطمس الضوء، تراكض الجمع متفرقين كل يتبع مايراه سقط كثير، وعبر كثير، وتوقف البعض عن المحاولة، وأرتفع صوت الخصمين وسط الجلبة كل يدعو إلى بضاعته.

