-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

خاطِرَةٌ... بقلم :أ.د. لطفي منصور



خاطِرَةٌ:

أَضْحَتِ الْعَرَبُ أُمَّةً مُقَطَّعَةَ الْأَوْصالِ ، دُوَيْلاتٍ كَمُلوكِ الطَّوائِفِ، بَعْدَ أَنْ سَيْطَرَ الْأَعرابُ، بِمَعونَةِ الْأَجْنَبِيِّ، عَلَى مِقَدَّراتِها وَكُنوزِها وَآلافِ مِلْياراتِها، تَقَرُّبًا لِمَواليهِمْ الْأمريكان وَالْأَوروبِيِّينَ وَحَتّى الْإسْرائِلِيِّينَ، عَلَى حِسابِ شُعوبِهِمُ الْعَجْفاءِ الَّذينَ لا يَمْلِكُونَ قُوتَ يَوْمِهِمْ إلّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ .

الْعَرَبُ الْيَوْمَ، وَلا أقُولُ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى هامِشِ التّاريخِ، إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي، لا يُسْهِمُونَ بِالْحَضارَةِ الْإنْسانٍيَّةِ بِشَيْءٍ يُخَلِّدُ ذِكْرَهُمْ كَباقي الشُّعوبِ الْمُتَحَضِّرَةِ. هُمُ الْيَوْمَ عَرابِش وَأنْ شِئْتَ أرابِشُ، لا يَأْبَهُ بِهِمْ أَحَدٌ في هذا الْعالَم، وَلا يَفْطَنُ لِوُجُودِهِمْ إلّا لِأَخْذِ فِلْسِهِمْ ودِينارِهِم وَدِرْهَمِهمْ ثَمَنًا لِسِلَعِ الْغِذاءِ الْفاخِرِ والْمَشْروبِ الباريسيِّ، وَعِطْرِ الْجَواري وَالْحَريرِ في الْقُصُور، وَصَدَقَ نِزارٌ حِينَ قالَ:

في عَصْرِ زَيْتِ الْكازِ يَطْلُبُ شاعِرٌ

                        ثّوْبًا وَتَرْفُلُ في الْحَريرِ قِحابُ

يا رَاكِبَ الْعَوْجاءِ في الْمَوْماةِ، عَرِّجْ عَلَى ضادِ الْإماراتِ. 

(الموماةُ الصَّحراءُ التي لا ماء فيها، الْعَوْجاءُ: النّاقَةُ النَّشِطَةُ)

سَأَلْتُ صَديقًا لي، مِنَ الرَّحالَةِ الْمُتَنَوِّرينَ، كانَ قَدْ زارَ الْإماراتِ كُلَّها: كيفَ حالُ النّاسِ والْعِلْمِ والثَّقافَةِ وَلْغَةِ الضّادِ في الْبِلادِ الَّتي تُسَمَّى بِالْإماراتِ؟

فَهَزَّ رَأْسَهُ عَجَبًا وَقالَ: أَتَدْرِي! شَيْءٌ يَرْفَعُ الْهامَةَ، الْبِريطانِيُّونَ الْيَوْمَ يُرْسِلُونَ أَوْلادَهُمْ لِيَتفَصَّحُوا بِإنْجِليزِيَّةِ الْإماراتِ؟ 

- تَقْصِدُ يا صَديقي عَرَبٍيَّةَ الْإمارات؟

- أَيُّ عَرَبِيَّةٍ وَأَيُّ ضادٍ ؟ صَلِّ عَلَى النَّبِي يا رَجُلُ !! 

وَاللَّهُ الْإنجِليزٍيَّةُ، وَلَوْلا أَني استَعَنْتُ بِمُتَرْجِمٍ لَمْ أَهْتَدِ إلى الْمَراحيضِ ولَ …

لا يَتَكَلَّمونَ الْعَرَبِيَّةَ في الْإماراتِ يا صَدِيقي، صَدِّقْ أوْ لا تُصَدِّقْ. في الْفَنادِقِ وَالأَسواقِ وَالْمَقاهي والْمَطاعِمِ، حَتَّى مُرْشِدو السِّياحَةِ لم يَسْمَعُوا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَمْ أرَ صُحُفًا بِالْعَرَبِيَّةِ.

- وَماذا يَفْعَلونَ في الْمَساجِدِ؟

- هُناكَ أَذانٌ وَعَدَدٌ قليلٌ مِنَ الْمُسِنِّينَ.

أصابَني الْكَمَدُ، فَتَذَكَّرْتُ أَعْرابَ الْمِرْبَدِ، أبا فَقْعَسٍ وَشُلَّتَهُ الَّذينَ كانوا يَبيعونَ اللُّغَةَ الْفَصيحَةَ لِلْأصْمَعِيِّ وَأبي عُبَيْدَةَ وابنَ الْأعرابيِّ، وَالضَّبِّي وَعَشَراتٍ غَيْرِهِمْ صُنِعَتْ مٍنْها مَعاجِمُ اللُّغَةِ.

اُسْتُرْنا يا رَبُّ!! أيُّ انْقِلابٍ حَدَثَ لَنا؟ أَلَمْ تَعْلَمْ صَديقي أَنَّ اللُّغَةَ الْقَوْمِيَّةَ هِيَ الْهُوِيَّةُ لِلشَّخْصِ ، فَإذا تَنازَلَ عَنْها تَنازَلَ عَنْ قَوْمِيَّتِهِ وَتُراثِهِ وَتاريخِهِ وَحَتّى دينِهِ.

عِنْدَئذٍ فَهِمْتُ أَسْبابَ التَّطْبيعِ.

عن محرر المقال

Raghad Issa

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية