بقلم حميد محمد الهاشم القصة الفائزة* بالمركز الأول* في مسابقة ملتقى السرد الروائي/ دورة ساجد آل ياسين/ يناير 2022
.تِلكما سمكتا قرش، إنهما تقتربان مني ، بينما أنا أغرق داخل تلك الأعماق الشيطانية، إنهما تقتربان مني ، ستأكلان جسدي،ستبتلعاني كوجبة غذاء دسمة، لكنني سأكون أكثر تفاؤلا ،ففي التفاؤل ربما أقتلُ شهيتهما الغاضبة، لكن كيف يحصل ذلك ؟! لا أعرف ولا أدري.. أرجو أن لا يكون تفاؤلي هذه المرة طائشا في فراغ الأحلام، أنْ يكون حاجزاً عن أن يهشماني بأنيابهما المفترسة. لكن ها أنا أهبط أكثر فأكثر ،و فقاعات الأوكسجين تتدفق من منخري ، ها أنا جاهز للإفتراس ،تفاؤلي والإفتراس حدّان لسيف خبيث واحد. كم مرة تفاءلت وقد تم أكل أحلامي وافتراسها ، وأنا في قمة توسلي بالله والملائكة والطبيعة أن لا يتجدد ضياعي مره أخرى ،أن لا أكون لقمة سائغة في فم أسماك قرش الحياة. ألم أقل لذلك الضابط اللعين، أن غداً يوم تسُرّحي من الجيش فلا تدفعني قتيلاً قبل القتل في ذلك الزورق اللعين ، فوق مياه شط الحرب والعرب ،لكنه أجابني، " تفاءلْ بالحياة والنجاة معا، وهذه المياه أقدس من دمك." تفاءلتُ أو لم اتفاءلْ ها أنا سأصبح وليمة دسمة لسمكتيْ القرش هاتين ، هاتين العزيزتين ستمنحاني قبراً في جوفهما، كم كنت متفائلا في أحايين كثيرة أن يخرجني الله من قبر الحياة ليضمني إلى سمائه. في تلك المقبرة حين فقدت أبي بينما كنت أنثر دموعي كالرمال على رمال قبره، قال لي أحدهم وهو يربّت على كتفي الأهدل ."تفاءْل بالخير يا صاح ما زال لديك أمّ وإخوة". كنت في الخامسة عشر من فصول التراجيديا المسماة حياتي ، تفاءلت حقا بعد ذلك لكن ذلك التفاؤل أطاح بأمي بعد الأربعين يوماً حزنا على أبي ،أبي الذي علّمني الكثير ، علّمني كيف أشعر ،وعلّمني كيف أكتب الشعر لكن أبي المسكين لم يكن مسئولا عن أول خيبة في كتاب الحب والشعر، تفاؤلي هو السبب في كل خيباتي الكاملة الولادة ، لقد مزّقتْ القصيدةَ ،تلك الفتاةُ التي أحبَبتَها في عامي الأول من الجامعة ، هذه القصيدة ليست لكَ، لقد سَرَقْتَها ،هكذا قالت لي ، لقد سَرَقْتَها ،ثم مزقت قصيدتي. _ كيف أحبكَ وأنتَ حرامي أشعار ؟! ثم أحّبتْ صديقي اللدود، صديقي من كذّب عليها في ذلك ، و هو من أقنعني أن أكتب تلك القصيدة الرائعة التفاؤل و البهجة والبلاغة. _ليس من المعقول..!!قصيدتك أكثر روعة وتفاؤلا من ادإكتئابك المزمن، أيها الكاذب, متفاؤل ومكتئبٌ في آنٍ معا، كيف يلتقي ذلك. صحيح ..تفاؤلي كذبٌ، ووجعي صادق، وجعي وخيبتي أحملهما معي دائما . ها إني أنهيت دراسة الفيزياء ،إستخرت الله وتفاءلتُ أن أخطب ابنة جارنا الحسناء ، كنت متفائلا جدا رغم منافسة الفتى البقال لي ، بائع البطاطا، بالطبع اختارت البطاطا ولم تختر فيزيائيتي، مدعية أنها تحب البطاطا أكثر من أي شيء آخر ، سيغُرِقها البقال بسلال من البطاطا ، فبماذا سأغُرقها أنا ،ولولا البطاطا ،كما تقول هي، لأختارتني أنا رجل الفيزياء..الفيزياء تلك التي جعلتني جندياً يخدم الوطن كمصّلح لمكائن الزوارق الحربية . ، لم اختر دراستي ،لم أختر وظيفتي ،ولم أختر طريقة موتي وفي كل هذا الطريق الشائك كنت متفائلا . قلتُ له: _سيدي، أرجوك غدا سأُسّرح من الجيش وأعود موظفا مدنيا. فردّ علي. _تفاءلْ بالنجاة والحياة معا، هذا واجبٌ وعليك تنفيذه ،مياه الوطن أقدس من دمك. تفاءلت خيراً أنْ لا أصعد الزورق الحربي، فأصعدني الضابط الحقود ،وتفاءلت خيراً أن لا ترصدنا سفينة مَنْ نقاتلهم ،لكنها لم تكتفِ بالرصد والرؤية ؛بل أطلقت علينا طوربيد ساخن ، وتفاءلت خيراً أن يُخْطِئنا وهو يخترق تيارات الموج. ها إني غارق في شطنا العربي الآسن، المليء بفضلات الحروب، وبأسماك القرش. ها هما السمكتان تقتربان أكثر وأكثر مني ، تحومان حولي، ها هما تدوران حول جثتي ، أحدهما قرب رأسي فيما اختارت الأخرى قدميّ ،انا الغريق الآن تحت أعماق المياه ما زلت متفائلا جدا أن لا أكون عشاءً لهما هذه الليلة . ليمنحاني فرصةً، على الأقل لتفاؤلٍ حقيقي ونهائي. حميد محمد الهاشم/ العراق