-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة في نص ضهى للكاتبة مرح صالح بقلم ا. مصطفى جميل شقرت





 -اليوم وأثناء تجولي في حقول القاصة مرح صالح أستوقفني أحد زهورها برائحته الفواحة ولونه البهي...


ضَهي

كلّما أومأَ لي بخنصرهِ اشتعلُ غيظاً...يضحكُ مُعجباً بأُنمُلةٍ عشرينيّةٍ، يلاطفُني عُكّازُ(أفروديت)بينما أقطعُ باليأسِ الإصبعَ الأخير.


للقاصة السورية م.مرح صالح 


#مقدمة: إن ما تعيشه سورية الآن من حرب نهشت جسدها وجرحت أعضائها بحوالي عقد من القهر وهي ترتشف يومياً كؤوس الحزن والألم، لم يمض يوم واحد دون أن يكتب الزمن ويدون في رأس صفحته عنواناً جديداً لقصةٍ تنزف كلماتها بالأسى، هذا ما اعتدنا عليه، وكأنه يوم دموي آخر في سورية، الحياة هنا أصبحت مسلوبة الفرح بكل ما تعنيه الكلمة، وصارت دفتر مآسي مما فرضته رصاصات الحرب الذي أنهك الجسم والروح لبلد الياسمين، كل ما يحدث هو نتاج طبخة من المؤامرات والمفاوضات الفاشلة التي كانت تطالبنا بالرضوخ أو الخنوع، لم نكن ندري بحجم التهويل الذي كان يدار في خلف الكواليس، لحقن ربيع أيامنا بإبرة خريفية صفراء، جعلت زهورنا في حالة ذبول مرمية على قارعة الطرقات بلا روح، وهذا ما يمكن إسقاطه على نص القاصة مرح...

-العنوان:(ضهي) عتبة النص الأولى، مفردة ضهي لوحدها قصة لما تخبئه من معاني مؤلمة تعني اليأس والقعود، وإذا ما أتينا إلى تفصيل أكثر، تعني سن اليأس لدى المرأة، وضهيت المرأة: أي لا ثدي لها، وأرض ضهياء: أي لم تنبت زرعاً ولا نباتاً.

تستهل الكاتبة نصها بعبارة سريعة خاطفة تقرأ بشهقة واحدة، جملة النفس الواحد، "كلّما أومأَ لي بخنصرهِ اشتعلُ غيظاً.."لم نشعر بصعوبة في نطقها بل كانت من السهل الممتنع، محافظة على إيقاع مموسق لم يتعب المتلقي حتى في الفهم، تشير الكاتبة في بداية نصها إلى ما توحيه حركة الأصابع والإيماء المراد إيصاله من عملية التحريك، إذا ما بحثنا عن إيحاء الخنصر نجده يشير إلى عملية الصلح أو التسامح بين المتخاصمين عن طريق شبك الخنصرين ببعضهم، لنجد أن الكاتبة تقصد أن ذلك الإيماء هو إشارة من(هو)المجهول لرغبة في تودد واقتراب وسمح وربما تفاوض في أمر معين بينهما بغض النظر عن الموضوع والهدف من تلك الإشارة، إذاً هي رغبة وأهواء في التودد..لنرى ما كان الرد على هذه الرغبة،

"اشتعل غيظاً..."جملة النتيجة ورد الفعل لفعل الإيماء والتفاوض، وما هو إلا عملية رفض قاطع للصلح ناتج عن سخط وغضب شديد للفعل، وكأنها لا تقبل بما يود البوح عنه والوصول إليه، بل صاحب ذلك غضباً، تترك الكاتبة نقطاً".."مجالاً للقارئ للتأمل وفسحة للاستراحة، قبل الانتقال لبقية أجزاء النص ومعرفة الأجزاء الناقصة.

تنتقل الكاتبة بنا إلى حدثٍ جديد في نفس المكان بعبارة مشهدية قريبة من المشهد الأول السيميائي في مكان واحد، "يضحكُ مُعجباً بأُنمُلةٍ عشرينيّةٍ"هذه الجملة تقرأ من النهاية نحو البداية بلفتة ذكية من الكتابة، لإنك لن تفهم سبب "الضحك"دون أن تعرف ماهية"الأنملة العشرينية"وما فائدة وجودها، أنملة: مفرد أنامل، تعني الجزء العلوي من إصبع اليد، أو المفصل الأعلى من الأصبع، عضّ أناملَه غيظاً: غضب بشدّة مع حسرة وندم- بسم الله الرحمن الرحيم"{وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} "، هذه الفتاة العشرينية الجميلة والتي في أوج نضارتها وجمالها أصبحت ضحية المجتمع لرغبات العابرين في حياتها، وأضحوكة نتيجة الرفض المستمر للأهواء الجامحة التي تنهال عليها، وتريد اصطيادها في ربيع عمرها، دون النظر إلى ماهية طموحاتها وأهدافها، أو لربما أنها وقعت في أحد الأفخاخ والتجارب سابقاً مما دفعها إلى تكوين حالة من العداء والجفاء وعدم الرضا.

سرعان ما تفاجئنا القاصة بانعطاف كبير في سردية النص عبر الانتقال الذكي والخاطف نحو التناص لتدجيج نصها بمزيد من المتعة والقوة التأويلية دون العروج عن سيرورة النص وفكرته الأساسية والحفاظ على الربط المناسب بين كل مشاهد النص بمشهد دخيل متولد أثناء كتابة النص من ثقافة الكاتبة ومدى معرفتها ومعلوماتها القوية التي ساعدتها في التقاط فكرة مناسبة عصفت بأحداث القصة وجعلتها في قمة الإثارة والتشويق، لتمنح الأحداث مزيداً من الصور الايحائية والغنية بالدهشة والفكرة السّامية، حيث استدعت بصيرتها أسطورة من أساطير الإغريق القدماء الميثيولوجية ابنة زيوس(أفروديت)بعبارتها: "يلاطفُني عُكّازُ(أفروديت)"، من هي أفروديت: الإلهة اليونانية القديمة للحب والجمال والرغبة وجميع جوانب الحياة الجنسية، حيث يمكن لأفروديت أن تغري كل من الآلهة والرجال الطبيعيين لعلاقات غير مشروعة بمظهرها الجيد وطريقة حديثها المغرية، اضطرت أفروديت للزواج من هيفيستوس تحت ضغط هيرا، وهو إله النار والحرف، وكانت أفروديت غير مخلصة، حيث قامت بعلاقات سيئة السمعة مع الآلهة اريس، هيرميس، وديونيسوس.

بالعودة للنص بعد أن تعرفنا على أفروديت، تستل الكاتبة عكازاً وتمنحه لأفروديت في مشهد غريب نوعاً، وكأنها تعبر عن أنها وصلت لمرحلة العجز والكبر والشيخوخة واليأس، وأنها غير قادرة على الدخول في أجواء الحب والغرام مجدداً، لترمي كل عشاقها وتنفض عنها غبار الإجبار والإكراه الذي منيت به بعكاز العجز.

لتختتم الكاتبة نصها بنهاية ارتدادية تحمل مفارقة رهيبة مع جملة الاستهلال"بينما أقطعُ باليأسِ الإصبعَ الأخير."حيث اقتلعت بالنهاية عملية الغصب التي تعرضت لها رغم رفضها، وهذه نتيجة حتمية لكل فعل غير مرغوب به، حيث ما أتى بالإكراه سيخرج بالإكراه، ولكن هذا دفعها لتكون وحيدة في آخر أيام حياتها بعدما رفضت كل من يمكن أن تستأنس به، فجعلها حزينة كئيبة حبيسة العزلة والوحدة القاهرة.


التكثيف والسرد:جاء النص مكثفاً بدرجة عالية، لدرجة لا يمكنك الاستغناء عن أي كلمة بثلاث أسطر فقط، مع إعطاء كل سطر طاقة تأويلية هائلة مشبعة بالبلاغة، مفردات سهلة بسيطة بعيداً عن التعقيد، كما أن الأفعال جاءت حركية مثل أومأ واقطع ويضحك، وحسية مثل اشتعل ويلاطفني...

-برزت شخصيتان بشكل واضح بالنص وهما الشخصية المستدعية"أفروديت"الاسطورة اليونانية، و"هو"المجهول بإشارة(كلما أومأ بخنصره)، بالإضافة للبطلة كاتبة النص.

الرموز والايحاءات، نص مشبع بالايحاءات التي تحتاجها الققج ويعطيها جمالاً خاصاً...

كلما أومأ بخنصره: دلالة الرغبة في التسامح والتودد و والأهواء.

اشتعل غيظاً: تعبير مجازي يدل على الغضب الشديد والرفض وعدم القبول.

أنملة عشرينية: أوج الفتاة أي فتاة في ربيع العمر، بأول حياتها.

عكاز أفروديت: دليل العجز واليأس والشيخوخة، وعدم القدرة على الزواج والعشق...

الزمكان غير واضح بشكل مباشر ولكنه مرتبط بالحاضر والواقع والمجتمع بشكل غير مباشر.

نهاية القصة جاءت نتيجة لأحداثها ورد فعل من بطلة القصة تجاه الأحداث التي عاشتها من مراراة وحزن وأسى بأسلوب إيحائي بحت.


#تنويه قد يتسائل البعض ما علاقة النص الواقعي المجتمعي للفتيات بمقدمة النص، إن نص القاصة مرح يمكن أن يتداخل ويتشابك إسقاطياً وتأويلياً على حالة سورية الآن ولو مؤقتاً وما تتعرض له وما أصابها في تفسير لما وصلت إليه من وحدة وعزلة نتيجة رفضها للمؤامرات والخطط التي غصبت بها.


*نص القاصة مرح من النصوص النخبوية الرائعة، صاغته بطريقة شاعرية سلسة جيدة بذكاء ثقافي ومعرفي هائل وعملية ربط بين الأحداث بطريقة ابداعية احترافية، دام الألق والتميز حليف القاصة مرح صالح.


مصطفى جميل شقرة

عن محرر المقال

رولاالعمري

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية