-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أمشاط من العظم... .. الأديب سيف بدوي ..مصر

 أمشاط من العظم

نصف ساعة وهو صامت ينظر لي بعينيه الصغيرتين.. لم يُبْدِ أي ردة فعل.. سوى أن زًمَّ شفتيه بإصرار، فارتسمتْ على أطرافهما خطوط الأسى والحزن.
كنت تحدثتُ إليه بلا توقف.. استنفذتُ كل ما اكتسبتُه في حياتي من خبرات الاقناع، غير أن أي مما قُلتُه لم يجعل عينيه ترمشان، فاستسلمتُ أمام عناده وتشاغلت بتجفيف جبهتي من أثر لفحاتٍ تختلط بنسماتِ ما بعد العصر، لكنه - وبعد برهة من سكوتي - قال هامسًا كمن يتحدث الي نفسه: لن استطيع..
كانت سيجارته - التي ظل ممسكا بها بين أصبعين يعتصرانها - لا تزال مطفأة، فأشعلها، ثم نظر لي واعتدل واقفًا، أومأ برأسه وانصرف.
كنت أراقبه وهو يبتعد، وقد أخَذَتْ نسماتُ ما قبل المغرب تحرك قميصه الواسع الذي شَفَّ عن عظمتين ناتئتين أعلى الظهر المنحني قليلاً، ثم غاب بين عربات الأجرة التي كنت أراها كمجسمات صغيرة من بعيد.
*********
قضيتُ ليلتي مؤرقًا.. أتشبثُ بذلك النوم الهش الذي تبدد تحت لسعات أشعة الشمس الصباحية، واستعادتي لمشاهد لقائي به بالأمس.. ورفضه المصمت لأي محاولة مني قد تقوده للقائها أو الاتصال بها.
انتبهتُ على طرقات صغيرة على الباب.. كانت ساعة كافرة لا يزور فيها أحدٌ أحدا.. ولا يخرج الي الأسفلت المائع تحت القدم إلا المضطر للسعي.. ولم أكن مضطرًا، توالت الطرقات.. فسحبتُ جسدي المتثاقل.. وفتحت.
قال لي الولد الذي كان يقف أمام الباب: (بتقول لك انزل كلمها.. هي مش هتطلع)، ثم استدار بعد أن فَرَدَ ورقة ربع الجنيه التي لابد وأنها منحتها له.. وجرى متقافزًا على السلم نحو الأسفل.
كنت حانقًا على كل شيء يضطرني للنزول إلى ذلك السعير في الشارع.. أنا أصغر ثلاثة أخوة.. مات أبوهم وأمهم، ثم مات منهم اثنان، وبقيتُ أنا، مالكًا وحيدًا لهذا البيت، وآخَرَيْن مثله.. ومالكًا لسيارة لا تصلح لأن تحملني لآخر شارعنا، إلا إنها لا تزال تحمل رائحة أولئك الذين ماتوا، أقودها وهي مكانها في محبسها بالمحل أسفل العمارة.. لا لشي سوي لأشم رائحتهم، ولأضع يدي فوق موضع يد أبي التي تركت توقيعها الأبدي على مِقْوَدِها.
كان الولد قد نزل متحنجلًا على السلم، فَرِحًا بورقة ربع الجنيه، بينما ما زلتُ أنا واقفًا على عتبة الشقة، ممسكًا ضلفة الباب المغلقة بيد، ومستندًا برأسي على ضلفته المفتوحة.. حتى سمعت صوت أقدامه الصغيرة تقفز صاعدة.. و ما أن رآني؛ استدار نازلاً وهو يقول - بصوتِ من ضاق بي وبها -: (بتقول لك هي هتمشي).
*********
كنت أسير بجوارها متقافزًا نحو أي بقعة ظل تصادفني في الطريق.. بينما هي.. تختبئ من لفح الشمس بقبعتها الرقيقة.. كانت تتحدث بلا توقف.. تتحدث برجاء.. قالت: (عارفه انه بيسمع لك.. كلمه تاني.. معلهش.. هفوت عليك بكرا، أو كلمني في التليفون.. في أي وقت.. التليفون في أوضتي) .
*********
أعرفه منذ تسع سنوات.. أربعٌ منها في الجامعة حيث اجتمعنا على الشعر، ومن بعدها خمس.. كنت أقابله خلالها كل يوم على طرف الشارع الذي يسكن فيه، لم يَدْعُني قط لزيارته، ولم يُشِر لي ذات مرة - ولو من بعيد - إلى بيتهم بين تلك البيوت التي تتساند على بعضها على جانبي الشارع الطويل الذي يلتف قبل نهايته الي جهة مجهولة، لكنه ذات مرة قال لي: (بيتنا مِلْك.. بشتغل مع ابويا.. أبويا فاتح مصنع صغير تحت البيت.. مصنع امشاط.. بتاعنا ).
*********
كعادتي.. لم أغادر البيت إلا بعد أن مالت الشمس قليلًا.. وهو كان في مثل هذا الوقت يجلس على مقعد خشبي تحت شجرة (الفيكس) التي تمد ظلها، هكذا كنا نلتقي كل يوم.. فيما يشبه الصدفة.. فخلال السنتين الأخيرتين لم نعد نلتقي على طرف الشارع الذي به بيت أبيه، لم يكن اتفاقًا.. ولكن هكذا جرت الأمور.
من بعيد أمكنني أن أرى وجهه الأسمر المنحوت بقسوة، وقد أضاءته الشمس الغاربة نحو الضفة الأخرى من النهر، كان رآني.. ولم أكن قد اهتديتُ بعد لحيلةٍ أخبره بها عن رغبتها ورجائها، ولم أكن على استعداد لأن أجلس نصف ساعة أخري - كالأمس - تحت سطوة نظرته التي تعتمل فيها كل مرارات الحياة وكل عناد الناس في مواجهتها، فأخرجتُ سيجارة ووقفتُ أشعلها لأمنح نفسي ثوانٍ معدودة عَلَّنِي أجد مدخلًا للكلام؛ فلم أجد.. فتابعت السير نحوه .
*********
قال: لا استطيع ..
قلت: ألستَ تحبها ؟!
قال: قلتُ لك لا أستطيع.. لم أقل لا أريد..
ثم تَلَفَّتَ حوله.. وتحسس جيب قميصه.. ثم وضع إحدى ساقيه النحيلتين على الأخرى ونظر ناحيتي
- هات سيجارة
كنا صامتين.. وتلك الشمس البرتقالية الكبيرة تسقط في الجانب الآخر على عجل.. وهو أيضًا كان قد التهم سيجارته ثم قذف بعقبها في ماء النهر.. والتفت نحوى:
- أبي لم يعد يحتمل.. خانه جسده أخيرًا، بعد أن بنى البيت - طابقين على خمسين مترًا- كان ظهره قد انحنى ثم انحني.. ثم رقد على سريره في البيت..
.... أبي يقول لي كل صباح: توكل على الله، وأنا أتوكل..
.... أبي قال لي: تَوَلّ مصروف البيت.. والباقي ضعه بعيدًا وابنِ لك شقة فوقنا.. وأنا أدُورُ كل يوم أجمع قرون البقر والخراف في جوال الخيش وأعود بها..
..... أبي ترك الدكان وترك كرسيه ورقد في البيت، وأنا جلست على كرسي أبي.. و بجانبي جوال القرون.. وأمامي صورته حين كان منتصبًا.. حين كان ظهره معتدلًا، تحت يدي العدة.. وفي المكان رائحة القرون وقد ألانتها النار.. فَعَبِقَ المكان برائحةٍ كرائحة الجسد الآدمي المحترق...
..... أختي الوحيدة.. كانت التهمتها النار فوق سطح البيت.. لم نعرف أنها جالسة هناك في زاوية الجدار ملتفة على نفسها كجنين.. والنار تسعي في جسدها!.... كان الجيران يصرخون وهم يجرون صاعدين السلم نحو سطحنا.. ونحن جرينا..
..... كانت أختي هناك تتكور على نفسها كجنين.. عيناها مفتوحتان، ورائحة القرون تتصاعد من الدخان الذي يتصاعد من جسدها!
.... أبي لم يعد يحتمل.. وأنا أدور أجمع قرون البقر والخراف في جوال الخيش.. القرون قاسية؛ وبالنار تلين.. وأنا أشم رائحة جسد أختي.. وأصنع أمشاط سوداء مربعة ذات أسنان في ضلعين متقابلين.. ثم أَبْرُدُها وأصقلها.. ثم أدور بها.. ولا أحد يطلبها..
... قلت لك: لا استطيع .
-------------
سيف بدوي

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية