الوادي .
بقلم:صقر المحمود
ثمة أمر غريب في وجوه الناس هنا، أثار اهتمامي منذ انتقلت للعمل في ( وادي الغدير) .
تبدو لي ناقصة، تفتقر إلى شيء ما .
حتى عندما زل لسان المسؤول عن المشروع، و هو يرحب بي :
_ أهلا بك في وادي الذكريات .
ثم استدرك معتذرا، و التقت عيوننا، أخذتني قشعريرة
لم أعثر على سببها .
و زاد من قلقي، أن الجميع يغلقون على أنفسهم، ثم يسود المكان صمت مخيف، و ظلام دامس، فأكاد أجزم أنني الوحيد الذي تضيء نافذة غرفته .
لكن شوقي إلى ( ليلى) يجعل الأمور كلها أقل أهمية .
عندما ذهبت صباحا لرؤيتها، كنت عازما على إخبارها برحيلي، صدمتني حدقتا عينيها الفَرِحَتين، فأشفقت عليها، و تركتها مبحرة في لحظاتِ صمتها، متجاوزة كل الجمل المحكيّة، و لمّا سألتها عن سر هذه السبحة أجابت بهمس لا زال يقتلني :
_ إنني مستغرقة في اللحظة .
في المساء، هاتفتُها لألقي عن كاهلي هذا العبء .
فلم تجب بغير سؤالٍ ضعيفٍ كرقّتها:
_ ألن أراكَ قبل أن ترحل ؟
ثم سرى سكون طويل، فحسبتها أقفلت الخط ليخيب ظنّي، و أسمع كمّا هائلا من الأمنيات، ممزوجا بصوتها المتهدج .
و خلال الأسابيع التالية، انهمكت أستفرد بذكرياتنا وصورة وجهها المتلهف للحياة . . . . . .
لكن السائق الذي يرافقني، يعيد إليّ ذاك الاستفهام ربما لأن الغرابة في وجهه أشدّ من بقية العمال .
حاولتُ استنطاقه بطريقة ما دون جدوى، و صارت مسألة جره للكلام هاجسا لفهم ما يحدث في هذا المكان . . . . . .
كان جاسر يناهز السبعين : طويل القامة بملامح خشنة
و حركات محسوبة، تلقائية لكنها متوافقة، تظنّه أمضى زمنا في ترتيبها لتخرج هكذا .
لا تشي بعمره إلا لحيته البيضاء المشذبة، و لو التقيته
في مكان آخر لظننته فارسا .
أدركت أن أفضل وسيلة لتحقيق هدفي: هي استفزازه
بعدما تطور الأمر، و أضحى مقلقا بل مخيفا .
و قد عثرت على المفتاح، حين مرّ من أمامنا رجل يمتطي حصانا
قلت بخبث :
_ أيهما أفضل قيادة هذه السيارة، أم امتطاء جواد عند الفجر .
أجفله سؤالي، و بعصبية شديدة :
_ تظن نفسك تعرف الخيول ؟
لا يعرفها إلا من صادقها، أنت حتى لا تفرق بينها، و بين
هذه الحديدة.
و ضرب المقود بكفيه، فاهتزت العربة بنا
_ . . . لمْ تجرب أن تقف قريبا من مهرة جميلة، و تنشغل عنها بشيء ما، ثم تسمع ندائها يلثم خدك .
أو تصادق جوادا، ينتحر ليلبي لك رغبة . . . . .
أنت لا تعرف أن الجياد تفعل ذلك . . .
شعر بضيق السيارة فترجل منها، و وقف على بعد خطوات مني، صمتَ برهة تردد خلالها، ثم أضاف بعلو صوته :
_ قبل زمن طويل . . . طويل جدا كنت مسجونا هناك
( و أشار بيده إلى إحدى الجهات . . . )
أنتظرُ موعدا غير محدد، و ليس أصعب من انتظار المواعيد المجهولة .
بقيت أعد الأيام حتى مللت، و لم يسأم قلبي من الشوق .
ثم حدث شيء سلمتُ باستحالته، بعدما أقلع عن دخول أحلامي . . . . . . . هكذا فجأة أخرجوني ! . . .
وجدت إخوتي خلف البوابة، و كان ( رعد ) معهم، لا ينقصه إلا أن يتنكب بارودة ليغدو واحدا منهم .
عانقته، و كلّي امتنان لحضوره، و غاب عن بالي أن الجياد لا تتكلم، فصرت أسأله عن حاله دون أن يستغربوا، كان موقفا عاديا : لقاءً جمع صديقين حميمين بعد فراق طويل .
و دفعتني لهفتي لامتطائه، و الهروب من صوَر الأسوار و القضبان الحديدية، و مشهد اللقاء الذي يؤرخ لعهد من الفراق ، و رغبة عطشة لرؤية( رجوة ) .
جرى بكل ما يقدر، لم أفهم معنى الحرية أبدا إلا ظهره في
تلك الرحلة .
جمعها لي رعد في برودة الهواء الوليد، و تتابع المشاهد من حولنا، و التوق الممكن للوصول إلى من نحب، بلا حواجز، و متى شئنا .
إن الحرية الحقيقية هي شعورك بأنك تستطيع لقاء حبيبتك متى طلبت روحك ذلك، و إلا فأنت سجين .
حسبته سيتعب بعد قليل، لكنه ظل مثابرا يجري بأكثر مما يستطيع، و كان عرفه ينضح عرقا حتى أشفقت عليه، و قلبه يكاد ينفجر .
صحتُ به متوسلا أن يتوقف، و هي المرة الأولى في حياتي أتوسل فيها أحدا .
بَيدَ أنه لم يسمعني . . . . و على غفلة، ساورني شعور غامض كذلك الذي يباغتك، عندما تتذكر في الظهيرة حلما حزينا رأيته ليلة البارحة، لكنه طلع للتو من طيّات عقلك، ثم تؤمن أنك مقبل على خسارة كبيرة .
بقي قلبه ينفث بخارا أبيض في عصر ذلك اليوم الصيفي حتى صرنا على مشارف القبيلة، و ظننته
نجا، فترجلت عنه، و دخلت الخيمة لأرى ( رجوة )
تحتضر . . . . .
هذا ما أراد رعد أن يقوله لي في الطريق، و لم أفهمه !
وهذا ما مات لأجله . . . . . . . .
و لما أنهى جاسر الحكاية أضحى وجهه عاديا ، مألوفا
مزيّنا ببريق جديد .
ثم سار نحوي بطريقته المنمقة، حتى اتكأ على النافذة
و همس :
_ لقد خدعوك بإرسالك إلينا يا أستاذ، نحن لا ننشئ خطا حديديا كما قالوا لك، و لن يمر من هنا أي قطار
إننا نقطع في هذا الوادي كل الخطوط . . . . .
ارجع من حيث أتيت، و عندما تغدو وحيدا، و يرحل البريق من عينيك ستجدنا بانتظارك .
