قراءة الأستاذة الكبيرة رجاء بقالي لقصة: لعبة للقاص نزار الحاج علي
النصّ
لعبة
في المقهى الوحيد في تلك المدينة الصغيرة، ستجد رجلاً غريباً، يتأمل بقلق من خلف النافذة، تلك الغيمة السوداء القادمة.
ولا شك أن عصفوراً شارداً سيحطّ على الرصيف المجاور، وهو ينقر شيئاً ما.
لكن بعد قليل سيلفت نظرك تلك الفتاة وهي تتمايل يمنة ويُسرى، وكيف أنها تنظف زجاج سيارتها.
لكنها في ذات الوقت ستنتبه إليك، و بدلاً من أن تعصر الاسفنجة، ستنظر إليك ببلاهة، و ستقبض على قلبك ومن ثمّ ستطلقه خارجاً.
عندها وبدون مقدمات سينتفض العصفور، ويبدأ المطر...بالبكاء.
نزار الحاج علي
شاعرية المشهد البانورامي أضفت على النص جمالية آسرة.
كل العناصر المؤثثة كانت في الموعد لاستقبال تلك الغيمة القادمة تنذر باللحظة الآتية الوشيكة..
لعبة الوجود .. مغامرة التحقق في متاهات الوحدة تحسمها حالة من التناجي بين عناصر يقف فيها السارد مراوغا، يريد الافلات من حتمية اللحظة، فيوجه الخطاب الى القارئ بإقحامه في اللعبة على مسرح عابر، كأنه تنويم مغناطيسي بنكهة روحية، أخرجت المخاطَب المشاهِد منذ أول سطر، من دور القارئ المشاهد في مسرح الوجود الكبير، إلى دور الشخصية الرئيسة في مشهد اللحظة ،فيما ذلك الجالس في المقهى الوحيدة بالمدينة الصغيرة، يقبع وحيدا مستغرقا في ذاته التي لم تكشف عن أناها في السرد، بل توارت لتبقى موضوعا خارجيا بالنسبة للسارد/ المخاطَب، رغم أن ضمير (أنت) يوظف سرديا لإلغاء الحدود بين السارد و البطل، بين الذات و الموضوع،.
لاشك أن ذلك الجالس ينظر خلف النافذة و هو العنصر المنسي في اللعبة، هي أيضا الذات الساردة التي تسقط صريعة في وعي سارد، (وعي أناها) / و وعي متفرج قارئ، و لعلها شيفرة اللعبة الحقيقية، حيث
الذات الساردة و هي ترمي بالقارئ بين أسوار حتمية قوانين اللعب اللحظة الوجودية، فكأنما تريد ان تصرخ، و في تناغم انفعالي ينساب و تدفق الوعي عند مخاطبة الأنا للغير:
لست أنا وحدي، بل أنت أيضا، معا نتجرع مرارة القبضة الوجودية العبثية،
فاللحظة تحمل فناءها لتصبح ماضيا منتهيا قد يكون له بعض من وجود في وعي شقي، و قد يهوي في بئر اللاوعي السحيق.
النهايات السريعة و الحزينة للحياة جسدتها تلك المشاهد المرسومة داخل و خارج مقهى، تفصل بينهما نافذة من زجاج، لكنها في الحقيقة تصل بينهما بخيط شفيف و قاس أيضا،
فما يوجد بالخارج هو ما يوجد بالداخل، و حتما هناك ذلك التواصل او التناجي اللامرئي و اللامسموع بينهما في وحدة ملغزة مثيرة .
و بالنهاية هي الذات القلقة الملقى بها على قارعة الحياة، لا تملك حتى تلمَُّس المشهد الحي الذي ترسمه كائنات الطبيعة:
الغيمة، العصفور و المطر،
لنعي الذات ، كلِّ ذات، تحت مطر تذرفه الغيمة حزنا على الحياة، تمرق كما الغيمة، كما صاحبة السيارة تخطف قلب ذلك (الأنت) الأنا، و الآخر أيضا
و تمضي..
و لعل العصفور القلق الحيران دوما، هو من خبر الحكاية، بحدسٍ حجب المرئيات، حلق بعد أن حط للحظة و نقر شيئا، مسلِّما المشهد لدمعات من مطر، في موكب النهايات ذاك.
