-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة في المجموعة القصصية للكلتبة سعاد محمد الناصر لن يموت الياسمين بقلم أ. لطيف عبد سالم

 


قراءةٌ في مجموعةِ (لن يموت الياسَمِين) القَصَصِيَّة للكاتبةِ سعاد محمد الناصر

لطيف عبد سالم 






  في مجموعتها القَصَصِيَّة الموسومة بـ (لن يموت الياسَمِين) التي صدرت حديثًا عن منشوراتِ أحمد المالكي في بغداد بـ (227) صفحة من القطعِ المتوسط، تسلط الكاتبة العراقيَّة سعاد محمد الناصر الضوء على بعضِ القضايا المهمة التي استمدت أحداثها من جملةِ حالاتٍ أفرزها مسار الحياة اليوميَّة على صعيدِ العلاقات الاِجتماعيَّة، والتي على الرغمِ من تنوعِها واختلافها وتباين مستوى تأثيرها في مُجتمعنا، فإنَّ هناك من يرى أنَّ من بين تلك الإفرازات ما يحمل قيمة اِجتماعيَّة مؤثرة في العلاقاتِ الإنسانيَّة والأسريَّة، إذ يمكن تصنيفها من أصحابِ الشأن والاختصاص ضمن قائمةِ المُشكلات الاِجتماعيَّة المُعقدة التي ما يزال مُجتمعنا يعاني من تبعاتِها - بدرجاتٍ متفاوتة - على الكثيرِ من الصعد.   

 جدير بالإشارةِ أنَّ المجموعةَ القَصَصِيَّة موضوع بحثنا، ضمت بين دفتيها (16) قِصَّة قَصِيرَة، قدمت من خلالها الناصر رؤى إنسانيَّة عدة، تميزت بتنوعِ ثيماتها وغنى مضامينها، فضلًا عن تعددِ أمكنة وقائعها وأحداثها. وعندما هممت بقراءةِ هذا المؤلف، توقفت بداية عند عتبة العنوان، وتأملت فيه مليًا في محاولةِ استفهام ما تبغي الكاتبة من إقرارها على هذا الاختيار، ومدى تماهيه مع مضامينِ النصوص المجموعة الداخليَّة، فقد عُرفَ (الياسَمِين) بذكاءِ رائحته، وجمال مَنْظر أَزْهاره بمُختلفِ اَلوانها، حتّى أنِّ بعض أنواعه تُعَدُّ مصدرًا لإنتاجِ العُطور. ومن هُنا ندرك أنَّ العنوانَ جرى بناءه بطريقةٍ رمزيَّة، فرؤية الكاتبة التي تقوم على استحالةِ موت الياسَمِين، تعكس في واقعها الموضوعي دلالة تعِبيريَّة عن الجمالِ. وليس من شك في  أنَّ الجمال مرتهن حضوره في الحياةِ بالحاجةِ إلى ترسيخِ القيم الإنسانيَّة النبيلَة التي من بينها الاِيثَار، اِحترام الذات الإنسانيَّة، التسامح، التعاون، التكافل، العقلانيَّة وغيرها من السماتِ التي بوسعِها المُساهمة في إقامةِ علاقاتٍ إيجابيَّة مفعمة بالحُبِّ ونكران الذات، ومرتكزة على المرونةِ في التعامل، بوصفِها المشتركات التي من شأنِها تفعيل الجهد الخاص بمحاولةِ تلمس ناصية السمو والجمال والبهجة والرفاهيَّة وسط بشاعة القبح المنتشرة في هذا الزمان الرديء. وهو الأمر الذي ألزم الناصر تضمين بعض نصوصها بآياتٍ من الكتابِ الحكيم، بالإضافة إلى الأحاديثِ النبويَّة الشرِيفَة؛ تعزيزًا لما طرحت من أفكارٍ ورؤى أخلاقيَّة وقيميَّة، فالكاتبة جهدت في بناء مجموعتها بالتوغلِ في أعماقِ النفس البشريَّة؛ بغية استشفاف طبيعة السلوك الإنسانيّ من خلال التبحر في المضمرِ بثناياها، ومحاولةً في الوقت نفسه نسج معالجات واقعيَّة تستند إلى مرتكزاتٍ فكريَّة، تعكس من الناحيةِ العمليَّة انسجامًا مع المنظومة الأخلاقيَّة، وتوافقًا مع المعاييرِ القيميَّة الناظمة في مواجهةِ ما قد يعترض الإنسان من الصعوباتِ، أو الأزمات المحتملة الحدوث.

 ويبدو جليًا من حبكةِ بناء الكاتبة السرديّ، سعيها الحثيث إلى إنشاءِ خطابٍ بمقدوره أنْ يقودَ الى الوعيِّ بأهميةِ تعديل السلوك البشريّ في مهمةِ بناءِ شخصيَّة الإنسان وتكامل نضجها؛ لذا فأنَّها عمدت إلى التركيزِ في صياغةِ مضامين نصوصها على بثِ رسائلٍ ذات صفة توعويَّة مستمدة من ما تزخر به منظومة الفكر الإسلاميّ من جوانبٍ أخلاقيَّة وروحيَّة، والتي من شأنها المعاونة في إحداثِ تغيرات إيجابية بتفكير الإنسان على صعيد العزم في مواجهةِ الانكسار، والشروع في إعادة الحياة إلى الشخصيَّة المحملة بالأوجاع من أجلِ إثبات الذات. ويمكن القول إنَّ الكاتبة عبرت في المسارِ المذكور عن خشيتها من عواقبٍ وخيمة محتملة في حالِ إغفال الأفراد مهمة مواجهة ما يمكن أنْ يحصل من مُشكلاتٍ اِجتماعيَّة واِقتصاديَّة وثقافيَّة بجديةٍ تضمن اعتماد أنسب الأساليب وأكثرها فعالية في مهمة الوصولِ إلى المبتغى، والتي لا يستبعد تأثيرها في التسببِ ببروزِ حالات أخرى تتسم بكونها أكثر خطورة وأشدّ وطأة، إذ بوسعها إنْ تمددت خارج إطار الذات، التأثير على وظائفِ الأسرة والمُجتمع، وتقويض مقتضيات سلامة البنــاء الاِجتماعيّ والحضاري؛ لأنَّ من بين الآثار الكارثيَّة للفجواتِ ما بين إيمان الفرد بقيمٍ ومبادئ ومثل، وبين طبيعة أعماله وسلوكياته اليوميَّة، هو السير نحو تفكيك العلاقات الأسريَّة والاِجتماعيَّة والوطنيَّة؛ بالنظرِ لتسببها في تهشيمِ موجبات تحقيق الذات الإنسانيَّة، بالإضافة إلى تراجعِ حضور ما يقتضي من متطلباتِ لتطويرها. ولعلَّ اختيار الناصر قصتها التي حملت عنوان (لن يموت الياسَمِين) عنوانًا لمجموعتها، فضلًا عن جعلها مِسْك الخِتَام لمؤلفها هذا، يعود بالأساسِ إلى قناعةٍ راسخة بخصوصِ أهمية الوفاء للمبادئ، والإخلاص للمعتقد في ديمومةِ الحياة التي يرتضيها الباريّ عزّ وجل، إذ ختمت الكاتبة مجموعتها في اِستثمارِ العواطف الجياشة للمؤمنين المتمسكين بجوهر المبادئ والأهداف النبيلَة في التماهي مع جهادِ الرموز الإنسانيَّة الخالدة، والتي جسدتها هُنا بشخصيةِ سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، لترسم لنا بجمالٍ أخاذ، وبمغزى عميق لوحة سرديَّة تعج بفكرٍ نير، وإيمان راسخ، وإحساس تطفو على سطحه أنبل وأصدق المشاعر الإنسانيَّة، والتي ربما تبدو للبعض من بناتِ الأدب الغرائبي، لكنها في حقيقة الأمر تتوشح برداءٍ واقعي؛ لأنها وليدة نفوس عاشقة للشهادةِ، تدرك خطورة أثر الفجوة في القيمِ.

عن محرر المقال

رولاالعمري

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية