العودة..
بالرغم من يقيني بقدومه ، مع احتمال أن يأتي إلي قبل أن يذهب إليه ؛ إلا أن هاتفي الذي رن قبل أربعة أيام فجرا تركني في خواء وإحباط شديدين .. اختفت رغبتي بشراء الصحيفة التي اعتدت على شرائها صباح كل يوم ، وفي المقهى في زاويتي المعتادة طلبت الشاي ، وبدلا من أن أسأل إن كان أحد قد رأى ( ابراهيم) اليوم ؛ تلقيت عزاءه ممن لم يحضروا مجلس العزاء ، تراءى لي وجهه الضاحك رغم التجاعيد وهو يسخر من شيخوختنا ، وتناهت إلى أذني ضحكة (علي) العالية وكأنها تأتيني من واد سحيق ، واشتقت لرؤية (قاسم) الجاد والمتجهم بلا سبب ، إرتجفت وشعرت بالغربة .. رحمك الله يا ( محمود درويش) فإن اعادوا إلينا المقاهي فمن يعيد الاصدقاء ؟!.. تحاملت على نفسي ونهضت ، بدا الزقاق اكثر ضيقا ، والشناشيل ذاوية منحنية ، وبدا عكازي وكأنه ينوء تحت ثقل جسدي ، شعرت بوحشة عميقة ولم أدر بأي اتجاه أمضي ، لكن هاتفا دعاني للعودة إلى بيتي ، بيتي الذي أهرب منه طوال اليوم حتى موعد النوم .. لأول مرة أنظر لصورتها المعلقة بمواجهة الباب ، وعلى الرغم من أن ابني تعمد أن تكون كبيرة واعتاد أن يقف أمامها كل صباح ليقرأ سورة الفاتحة ويرسل إليها القبلات ؛ إلا إنني لم اجرؤ يوما على النظر إليها .. اقتربت وتأملت وجهها الصبوح ، وعينيها اللتين تفيضان حنانا ، وابتسامتها الرقيقة ، فجأة انفجرت بالبكاء ، أجهشت كل نبضة في قلبي ، وكل خلجة في روحي، وكل خلية في جسدي ، حتى أصبت بالإعياء فتهاويت على اقرب كرسي مواصلا البكاء ، انحنت علي زوجة ابني ومسحت بكفها الحنون الدموع من وجهي ، ومسحت على رأسي وقالت : قم يا أبي لنتوضأ ونصلي.. عندما أنهينا الصلاة احتضنتني وقبلت جبيني ففعل مثلها حفيداي وجلسا على رجلي ، مثل ضباب بددته الشمس رأيت إني ضيعت سنة في هروب بلا طائل ، وإنتبهت إلى أن ما تبقى من عمري أقل مما فات بكثير ، وفكرت أليسوا بعضا منها ؟ ألا يحملون بعضا من ملامحها ؟ وبعضا من صفاتها ؟ أليسوا عوضا أعطاني إياه الله ليملأ الفراغ الذي تركته ؟ وانسابت دموعي ثانية .. قبل أن أنهض عن الأرض دخل ابني ، انحنى وقبل يدي وجبيني وظل يربت على كتفي بلطف مبتسما ، انتظمت دقات قلبي وهدأت أنفاسي ، فأمضيت ذاك النهار بالحديث والمرح معهم ، حتى أن حفيدي ومنذ تلك الليلة اعتادا على أن يتوسدا ذراعي حتى يغطا بنومهما مبتسمين ….
ثائر البياتي
