الأسطورة والرمز..براعة التوظيف السردي
رؤية نقدية بقلم
الأديبة السورية المتألقة/ كنانة عيسى
لنص * شيءٌ آخر *
للقاص الفلسطيني / جمال الخطيب
........................
النص
شيء آخر ....(قصة قصيرة)
هي انحناءات الطريق الضيق نفسها إلى أعلى، الدرجات الحجرية، آثار مسيل المياه الرفيع في الإسفلت، حفرته الأمطار على الجوانب .
لم يتغير شيء، الحشائش الشوكية الجافة، صبغة الطحالب الداكنة على جدران البيوت العتيقة .
- أتعتقدين أننا أيضا جزء من هذا، لمجرد أن خطواتنا دقت هذا الإسفلت سنوات ؟
- سأفترض ذلك ..الزمن لم يغير المكان، فلماذا يغيرنا ؟ ..هل نحاول ..ربما كان كل ما حدث حلما مشوشا، عندما نصل المنتصف يتلاشى، نكمل إلى أعلى كما كنا ..ألا يستحق الأمر ؟؟
- هو الهدوء، وسيل الهواء الرطب، عبق العفن المنبعث من الشجيرات ..ذلك الصدأ على الأبواب الحديدية الصارمة المتجهمة.
تقطع قطة الى الجهة الأخرى .
- لنبطيء قليلا كما كنا نفعل، نلتقط أنفاسنا عند انبساط ذلك الجزء في المنحنى
مجرى الهواء عاصف..كانت الريح شديدة في الشتاء، تدفعنا الى الخلف، تلتف بمعطفك، حبات العرق تقطر خلف أذنك في الصيف.
- عشر خطوات أخرى، في النقطة عند المنتصف، هناك اختفت القطة دوما، كانت تظهر في الأعلى، تنظر الينا وتغادر ..عندي يقين بذلك الآن.
- هناك شيء آخر غير كل هذا، ألا ترين !!
شيء يتعلق بنا ..
توقفت القطة في الأعلى، تنظر اليهما.
عند المنتصف تلاشى الاثنان .
جمال الخطيب اكتوبر ٢٠٢١
....................
الدراسة
قليلة هي النصوص الشاهقة التي تخض الدم برحابتها وغرورها فتتسرب كسيل من الانطباعات المتشابكة العميقة التي تتدفق إلى الروح فتسقيها وتؤججها،نص مصاب بداء الرغبة والتوق، موغل في حسيته وتمرده
المستحيل على بنيوية السرد الحديث، بلغته الشاعرية المتقنة، بخياله العذب الممسوس
رجل وامرأة متصلان منذ الابد بهاجس البقاء والخلود. يتذكرهما كل شيء إلا هما، منفصلان بنظرة واحدة للأفق تتسع باضطراب الزمن، محبوسان في نزهة غامضة، تنسدل في لحظة الكشف والتجلي كرؤية. تطلق ذلك السعار العشقي الصامت وتلك الحميمية الخجولة المدوية في حكاية أشبه بحب الأساطير وخلودها.
هرة مرشدة تقودهما عبر العوالم بعينيها نحو ملاذ نهائي، حكاية تتلو نفسها وزمان يتسرب بلا قيود خلال كل شيء ومكان دكتاتوري مبهر متحكم وعنيد، وحاجز لامرئي لاذع ينتصب فجأة أمام وعينا في النهاية لنصطدم به مثلهما نحو نهاية قاصمة آسرة،فما هو ذلك( الشيء الآخر) الذي يعتقل المشهد ويصلبه في الذاكرة الملتهبة بالارتباك والخلل؟
لغة الخطاب السردي الشعرية
تمرد الكاتب على لغة السرد، أقحم روحه الشعرية في فلذات السرد، في شذرات هائلة التكثيف ،فنحن منغرزون في الصعود السريالي للحدث،نراقب الحشائش الجافة، نسمع الخطى على الدرجات الحجرية، تغرق حواسنا في آثار مسيل مياه الأمطار الرفيع ،ونتعلق برائحة الطحالب الداكنة على جدران البيوت العتيقة وملامح الأبواب الصدئة
مشاعر وثابة آنية تتذوق الطبيعة بلغة العشق الرقيقة،تجانس إيقاعي يندمج في حركة البطلين الحساسة كجوهر روحي طاغي الحضور في بحثهما عن اليقين.
، تدفق وجداني يكمل الشخصيتين الرئيسيتين وطاقة لقائهما الجاذبة المهيمنة. فهما لا يدركان وجودهما كحلم أو واقع، ينتظران صعودًا نحو هاوية جميلة خبراها فاتحدت بهما. وأطبقت عليهما في روح الطبيعة الخالدة
في مشهد يزيح ستاره قطة مقدسة وزمن خاضع ومكان يتباهى بجبروته وصلفه.
توظيف الحوار
رغم أننا نصغي لصوت الراوي العليم القلق والمتأهب، فنحن نبقى على حافة اليقين بأن مانحاول كشفه من حقائق عن تلك العلاقة الانسانية المتبصرة يكمن في قوة الحوار وحده وتوظيفه البنيوي في إطار سرد بدا كلاسيكيًا،لكنه ذو اصوات متعددة تجاور فيها صوت الراوي القلق إلى صوتي الأنوثة والرجولة المتحدين في عقل واحد و وعي واحد و ذاكرة مضطربة تتوهج باستطالة الصعود وجسدين يتشاركان مسيرَا لانهائيَا فندرك أن الرجل واثق من قدر الرحلة، باحث عن الحقيقة، ينوء تحت عبء الذاكرة المشوشة ومدرك للنهاية التي تلوك نفسها في زمن لا يجرؤ على العودة.
وكما ورد في النص
هناك شيء آخر غير كل هذا، ألا ترين !!
شيء يتعلق بنا
بينما نرى المرأة الملتصقة بالمكان، مأخوذة بلعنة البقاء، متشبثة بتفاصيل الرجل الذي تحب، تائهة في خضم شعائرية الفصول الرمزية وطقسيتها
وكما ورد في النص
. كانت الريح شديدة في الشتاء، تدفعنا الى الخلف، تلتف بمعطفك، حبات العرق تقطر خلف أذنك في الصيف
نكمل إلى أعلى كما كنا ..ألا يستحق الأمر ؟؟
الأنسنة الصامتة وشخصية المكان
استخدم الكاتب المبدع تقنية مغايرة للأنسنة الواضحة المعالم، فالشخصيات الهامشية التي خلقت لإكمال السرد
ثابتة الجذور ، (فالمكان) يقيني الوجود بسطوة تأثيره على الحدث، بالتصاقه بروح الحكاية، بتفاصيل ملامحه،بألفته المغرية، بشبقه الروحي المشحون بالغرابة هو المسيطر على بداية النزهة ونهايتها يتدلى بأبعاده التي ترفض التغير بمرور الزمن ويحشر أمانه المبهم في عالم البطلين الضائعين،
في مسير تائه. بينما تتفرد القطة بهالتها المقدسة بإتمام طقسية العبور إلى عالم الأرواح المجهول الذي ينتظر في الأعلى. القطة رمز يقفل العوالم ويفتحها، كلحظات فاصلة توقظ وعي البطلين في مجهولهما المنتظر(المنتصف) نحو صعود حتمي يرسم النهاية.
وكما ورد في النص
تقطع قطة الى الجهة الأخرى
اختفت القطة دوما، كانت تظهر في الأعلى، تنظر الينا وتغادر ..عندي يقين بذلك الآن
الأسطورة والرمز
لم يكن استخدام القطة عابرَا في السرد فالكاتب تعمد إظهار قدسية الرمز الذي يسلب السرد واقعه الافتراضي ويخلق له هامشَا أسطوريًا ساحرَا
كانت استيت إحدى آلهة قدماء المصريين، والتى جسدت على هيئة القطة الوديعة، على شكل امرأة لها رأس قطة، بينما نرى في الميثولوجيا النوردية أو الإسكندنافية، أن القطة ارتبطت بالإلهة "فريا"، إلهة الحب والجنس والجمال والخصوبة. أما الإغريق فقد اعتبروا القطط رمزا للحرية وحارس روحيا للمنزل، و للمعابد.
وفي الصين، اعتبرت القطة "لي شو" إلهة للخصوبة، تقدم لها القرابين في نهاية كل موسم حصاد، بينما اعتبرت في حضارة الهند القديمة إلهة الأمومة، و اعتبرت القطط في الثقافات البوذية والبورمية مسكناً للأرواح المقدسة، التي تختارها لتسكن فيها وتوصلها إلى الجنة بعد وفاتها.
فما هى تلك الرغبة الخفية الجامحة و التي تتصاعد داخلنا . و التى تدفعنا إلى الرجوع الى أماكن شهدت أحداثًا درامية فى حيواتنا المتعددة
يلقي البطلان بنظرهما خلال الباب المعلق في الدرب الملتوي المغمض نصف اغماضة، نحو الشيء الآخر، نحو الحب الذي لا يفنى بتلاشي أصحابه، هائل ذلك التلكؤ ذلك التشكك ذلك الخوف من ألفة الأمكنة التي تبدو إلينا كما للبطلين كأرواح هائمة تصرخ في رجاء
..... كأنني كنت هنا من قبل.
