أيقونة من بلادي:
كلما قرأت شيئا من قصائد الشاعرة السورية المبدعة ( بشرى العيسى ) أشعر بأنني أمشي تلك الدروب التي أحبها وأرتاح إليها...دروب عفوية .. خمائل وارفة الظلال .. خرافية الجمال لم تشذبها يد بشر...ولم يقلم أغصانها مقص يبتلع رؤوس الأغصان التي تتسابق إلى معانقة الشمس..
الشاعرة بشرى تدخل برفق إلى حجرات القلب ولكنه الرفق الذي ينصب لك فخ الإقامة طويلا.. فلا تغادر حروفها ذاكرتك..
تسرق دمعتك.. ومن خلالها تجعلك تبتسم لومضة ضياء يعلنها محراب عشقها المقدس للأرض، للوطن، للإنسان
ثم تصدح قوافيها بترانيم تنبعث من جمل موسيقية شاعرية تجيد استخدامها والإمساك بمفاتيحها جيدا فتسكن العين التي تقرأ والأذن التي تسمع والقلب الذي يتلقى تلك المشاعر النقية العلوية التي انفلتت من قبضة حروف مجنونة شوهت كل مفاصل حياتنا ولم تستطع رغم ذلك أن تخترق جدار محرابها الشعري الذي اعتبرته ملجأ حصينا لها تهرب إليه بعيدا عن ألسنة النار والاحتراق في أتون الوجع.
أخالني حين أقرأ لها بأني أسمع بحة ناي حزين تردد صداه بيد عاشق هزمته الريح ولكنه ينتشي برذاذ المطر ... تنثر كلماتها على بياض الصفحات كما تتناثر الزهور البرية الملونة على سفوح جبل أشم
فرغم وجع الأيام وقسوة التفاصيل التي عاشتها من ارتداد أحداث الحرب على حياتها الشخصية و العامة
بقيت تلك المرأة الشامخة امرأة العاصي الجميلة التي تتأزر بثوب النقاء وتمنح من حولها السكينة والأمان تشحذ هممهم تقوي عزائمهم تقف في وجه الريح لتحميهم خلفها.. تخيط و تبني بيد، وتكتب بيد.
لا تبالي إن تعب فيها الجسد أو تشظّت الروح أو خاب الأمل.. لا يهمها المال والجاه والترف الذي يشغل غيرها .. قياسا بمبادئ تحملها وتؤمن بها لا تقدر بثمن
الشيء الأوحد الذي تمسكت به هو ذاك القلم
وحده كان يمسح دمعها... تشكو إليه ويشكو لها...تقبض عليه بجمرات أصابعها.. تبثه أنين جوارحها ... تساهره وتصحو على ظلاله...
كان يرافقها في حلها وترحالها..يساندها ويقوي عزيمتها ويحمل صدى مشاعرها وبوحها ..
دخلت من خلال قصائدها الموسيقية قلوب كل من قرأ لها على صفحات ذلك الفضاء الممتد فكان لها لونها بصمتها عباراتها الخاصة بها صورها التي ابتكرتها روحها من غير محاكاة لما يدور حولها من استنساخ قصائد وتكرار ممل
كل قصيدة كانت تحمل حكاية تندهش لابتكارها في عبارات عفوية لا تتسلق فيها وعر الصخور لكي تبرهن انها تقارع الفطاحل من الشعراء فينضب المعنى وتركد ينابيع الإبداع كما يفعل البعض
في قصيدتها تتناغم الجمل بين سؤال وجواب ..نداء وتجاهل... يأس وأمل... فرح وحزن دمعة وابتسامة ..صمت وصرخة..فتحمل بين جنحيك كل تيك المعاني التي نفضتها عن كاهلها وارتاحت وحمّلتها لك لتقع في شراك الألم الذي كان مسكونا بين ضلوعها.
قصائدها ساقية رقراقة لاتكف عن هذيان الدفق تمشي محاذاتك بعذوبة .. ولربما غلبت ساقية نهرا صاخبا يعبر قربك ولا يدخل ذاتك..
هكذا هي شاعرتنا المبدعة بشرى ابنة العاصي ونواعيره .. تسكنها طفولة لم تشوّه معالمها الحرب رغم قسوتها وبشاعتها... رقراقة الحرف شجية الوصف عذبة الحضور قوية التعبير وقوتها تكمن في تلك البساطة والعفوية التي تأسرك إلى أمد طويل في بصمة سورية من الصعب أن تمحى أو تزول.
من قصائدها :
( تاج الصبر ) :
المرأة
التي تلبستني
نذرتْ ضحكاتها للربيع
اليوم
كبرتْ خمسة و أربعين دمعة
المرأة التي عاندت الريح
ثائرة كالعاصفة
هادئة كالليل
وهبت روحها للحياة
وأبت أن تفارق الطفولة
بيد الجمال
كتبت قصائدها
وبيد الزمان
رُسمت حول عينيها خطوط العمر
المرأة
التي علَمتْني الفرح
وعلمتها الحزن
تنتظر على أبواب الربيع
صوتاً
يبشر بقدوم آذار
المرأة التي أحملها في جسدي
تحمل اسماً
أتمنى أن يأخذه أولادي على محمل الفخر
تلك المرأة
الحبيبة كالأرض
الصابرة
مثل وطني...أنا

