القاص خالد مهدي الشمري يقدم:
قصصا تشبه اللوحات التشكيلية في (جذور عنيدة)
بغداد – حمدي العطار
ينطلق القاص "خالد الشمري "من زوايا سردية يتناول فيها الوقائع غير المنطقية معتمدا على المفارقات الحياتية والنهايات غير المتوقعة، وهذا ما يميز قصصه ويجعلها مثل اللوحات التشكيلية تعمل على توسيع الإفق البصري وتفتح باب البصيرة.والصور التعبيرية يجسد فيها الزمان والمكان الى جانب احساسه المرهف بالكلمات.
*ارتباط الحدث بالقصة
جميع القصص تقدم بضمير الغائب (القاص) احيانا يتدخل ، وفي اكثر القصص يرتبط الحدث بموضوع القصة وتأتي القصة بما يشاهده البطل نفسه شخصيا فقط! كما في قصة (حديث العيون) التي تبدأ القصة في تقديم المكان المتحرك (طريق السفر طويل.. جلوسه قرب النافذة يشعره بالسعادة..زجاج النافذة يعكس ذكرياته الجميلة.. لحظات سعيدة، تتغير الصور مع الطبيعة التي تمر بها الحافلة" تمهيد جميل ووصف للطبيعة التي سيكون لها اثر على الموقف! " بين تأمله لزجاج النافذة، وإذ بها تعكس صورة فتاة، وهي تنظر إليه، كانت تجلس في مقعد خلفه.. يراقب حركاتها ... تلك النظرات شغلته كثيرا" بما ان العنوان هو (حديث العيون) ومع ما تقدم من القصة فإن المتلقي سوف يسترجع ما تفعله العيون والنظرات في مجال (ترجمة المشاعر الرومانسية، والنظرات تفضح الحب، والعيون تعلن الانجذاب، وتتصف عيون العشاق بالاتساع، فالحب تفضحه العيون) "قطعت الحافلة طريقا طويلا، وهي لم ترفع بصرها عنه! غير جلسته كي يراها بشكل أفضل.. جمالها لم يكن وحده يشغله، بل أنغام أغنية حزينة، ودموعها التي نزلت مع النغمات. بدأ يشعر أنها تبادله نفس الاهتمام.. عيناها التي لم تتركه ولو للحظة جعلته متأكدا أنها كانت تبادله الاهتمام" سياق القصة يسير بإتجاه بينما نهاية القصة تأخذ اتجاه معاكس، وهنا عنصر المفاجأة فنيا مقبولة " تتوقف الحافلة. ترتدي نظارتها السوداء لتترجل مع عكازها" اذن هذه الفتاة الفاتنة كانت عمياء وهي لا تنظر الى رجل القصة ولا تبادله الاهتمام والاعجاب ولا يمكن لعيونها العمياء ان تترجم مشاعرها الرومانسية لأنها لا تنظر الى اي شيء او شخص بالتحديد ليس الا الظلام. لو تدخل القاص مثلا في السرد وجعل رجل القصة لا يعرف هذه النهاية هل ستكون القصة افضل مما هي عليه؟ اي لو قال القاص، بإن رجل القصة سقط منه شيئا ما في الحافلة فأنحنى ليجده بينما الحافلة تقف وتنزل الفتاة وهي ترتدي نظاراتها لتترجل مع عكازها! وحينما اعتدل رجل القصة في مقعده لم يجد تلك الفتاة!
*اثر البيئة على القصة
القصة اداة تعبير عن الواقع لذلك من الضروري ان يستوعب القاص والمتلقي هذا الواقع من خلال فهم العلاقات المتحكمة بهذا الواقع وكذلك من خلال ما يطرحه الادب ذاته من قدرة على كشف خفايا هذا الواقع فنيا، اما الزمن في قصص جذور عنيدة فيأتي احيانا من خلال الحلم او التداعيات والمنولوج الداخلي والذكريات واحيانا من خلال الحوار الذي في هذه المجموعة لم يتم استخدام الحوار كثيرا بينما كان الوصف والتداعيات موجودة بشكل مؤثر كما في (عاد من الموت) "حياة القرية تختلف كثيرا عن الحياة في أي مكان آخر..تشرق الشمس لتعانق أشعتها أوراق الخضرة.. يتسابق الجميع للوصول إلى حقولهم التي كانت تزهر بألوان جميلة..فجأة تناقل الأهالي خبر مقتل شاب في الحرب" هنا رؤية فنية رائعة بين وصف الحياة والجمال وانتقاله حزينة مرعبة عن نتائج الحرب وعبيثتها في تغيير مسار الحياة من السعادة والصفاء الى الحزن والكآبة، في القرى يكون هناك التكافل الاجتماعي، وفي زمن الحروب تحدث الازمات في الوقود
"ترك الجميع حقولهم، ليجتمع رجالات القرية في بيت والد المقتول.. كان مصابا كبير لهم.. وبسبب الحرب لا يوجد وقود كاف للوصول إلى المدينة لنقل الجثمان..السكان يخرجون الغاز المسال من الأسطونات ليضعوه وقودا في السيارة..تبرع الناس بما لديهم من خزين، وكان يجمع في إناء كبير يخبؤنه داخل حمام البيت" التسلسل المنطقي للحدث في تناسق وخط مستقيم ولا نعرف متى ينحرف السرد 180 درجة ومن اجل ان يصل القاص بقصته الى هدفها (قسوة الحرب والموت المجاني وصعوبة نقل الاخبار والاشاعات الكاذبة ) " قرر شقيق المقتول السفر صباحا، بعد أن أصبح لديهم وقود كاف، فيما كانت القرية حزينة يترقبون وصول الجثمان..وعند المساء أراد والد المقتول تفقد ما تم جمعه، ليتوجه إلى الحمام حاملا فانوسه، لكنه لم يصل إليه! بعد انفجار الوقود المدوي مات الرجل مع آخرين كانوا معه..ذهلت القرية من الصدمة، في الصباح تم تجهيز الجنائز لنقلها إلى المقبرة"لو جعل القاص وصول جثمان المقتول ودفنه مع ابيه ورجال القرية الذين قتلوا بالانفجار لا تكون القصة والنهاية قوية كما اختار القاص لها هذه النهاية التي تزيد من حزن القرية اكثر من مقتله ( من بعيد لمحوا سيارة تقترب..صمت الجميع بذهول، وهم يرون الشاب الذي قتل في الحرب يترجل من السيارة"
الخاتمة
قصص المجموعة (جذور عنيدة) للقاص "خالد مهدي الشمري" تقدم برؤية فنية ناضجة ووضوح رؤياه الاجتماعية ، اسلوبه سلسل ،سهل ،، واضح ، يستخدم جمل رشيقة معبرة ، وفي كل قصة هناك درسا اجتماعيا او اخلاقيا ومفاجآت غير متوقعة لنهايات حادة تعبر عن مجتمع متوتر مفتوح على كل الاحتمالات.
*القراءة النقدية للمجوعة القصصية (جذور عنيدة) للقاص "خالد الشمري"

