من رواية / رقصة الفيلسوف/
التقيت بالزعيم مصادفة؛ كنت أتهيأ لإلقاء محاضرة نظّمها اتحاد الطلبة العرب في لندن في صيف العام 2007، دلف متبوعا بأربعة رجال أشدّاء، يغطون عيونهم بنظارات سوداء على طريقة الأفلام الأمريكية. أجلسه المنظمون في الصف الأول، ومرافقيه في الصف الثاني، بقي إثنان واقفان مستنفران، واحدٌ عند باب الصالة وآخر في آخرها. نعتني مقدمي الشاب نبيل الأحمد بـ(المفكر المشاكس والفيلسوف الجريء المثير للجدل، كأنه الألماني فريدريك نيتشه حين أصدر كتابه الأول "مولد المأساة" وما تلاه..)، لم أعرف الرابط بيني وبينه، نيتشه تحدث في الفن والأدب والدّيانات، أنا أتحدث في الديمقراطية والثورات، صحيح أنني معجب بكتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت" لكن الشاب كان يشير ربما إلى الهجوم الذي أتعرض له دائماً من قِبَل كتّاب وإعلاميين، مناهضين أو مرتزقة، مثلما تعرض كتاب نيتشه الأول وأفكاره المتقلبة، شكرت الشاب الوسيم المتحمس، أثنيت على لغته الجميلة واندفاعه الصادق كشاب ليبرالي واعد، قلت له: (أنت تذكرني بالصحفي والكاتب الفرنسي الناشط ريشار لابيفيير في شبابه)، خاطبت الحضور قائلا إن ريشار كان مؤيداً للقضايا العربية والفلسطينية، والتقى ياسر عرفات أكثر من مرة، قال في مقابلة صحفية: "في كل مرة كنت أقصد ياسر عرفات لإجراء مقابلة صحفية، كان يبدو مشغولاً بحياتي الشخصية، ويسألني إن كنت قد تزوّجت". التفت إلى الشاب وسألته: (هل تزوجت يا نبيل..)،
انتهزت ضحك الجمهور واسترخائهم، بدأت حديثي مرحبا بالزعيم والحضور، كعادتي، ارتجلت مداعبة خفيفة: (أتمنى أن يتحمل حضرتكم كلامي الثقيل عن الديمقراطية التي قد تتفاوضون معها هذه الأيام في بلادكم، لكنني أكاد أن أشمّها مرشوشة على سترتكم الأنيقة يا سيدي، إلى جانب العطر الفاخر الذي انتشر في الصالة فور دخولكم. حضوركم خلق سؤالا هو ابن اللحظة: هل يمكن للديمقراطية التعايش مع الثراء الفاحش؟). ابتسم بمكر طفولي أنيق، هزّ رأسه قائلا بصوت واضح ونبرة ثابتة: (سترى بنفسك في الأيام القادمة..). أجبت ممازحاً: (الله يبشرك بالخير..).
انطلقت في حديثي عن التغيير الذي كنت أراه قاب قوسين أو أدنى من تلك اللحظة، وقلت إن الشعب هذه المرة هو الذي سيؤسّس للتحول الجذري، خلافا لما يردده المثقفون ويدّعونه، بمسؤولية النخبة عن بناء الوعي وإحداث التراكم الواعي بحقوقهم وواجباتهم عبر نشر الفكر والثقافة بين الجماهير. هاجمت المثقفين الذين ركزت طموحاتهم على مدى الخمسين عاماً الفائتة على التقرّب إلى السلطة ومداهنتها، حتى إذا ما تسلّم أحدهم منصباً تنفيذياً في اتحاد للكتاب أو مؤسسة ثقافية أو اجتماعية أصبح مستبداً متعسفاً بالآخرين، متشبثاً بالمنصب والكرسي أكثر من الزعيم والأمير والملك والرئيس، منهم لا يزال على رأس الاتحادات والنقابات منذ عشر سنوات وأكثر - ابتسم الزعيم- لهذا فشلت النخبة في تكوين الوعي الجماهيري وتثقيف الناس، أفسدت السلطة شريحة لا بأس بها من أصحاب الأقلام والمبدعين. وحتى لا أكون جاحدا، أشرت إلى عدد من المثقفين والأدباء والفنانين والصحفيين الذين قمعتهم السلطة وأخفتهم في سجونها أو مقابرها، يبدو أنها استطاعت تدجين المتبقّين، منهم من أذعن، وسعيد الحظ هاجر، ومنهم من اعتزل الفكر والأدب والفن، وربما الحياة العامة، وأصيب بالاكتئاب، فأصبح من رواد النوادي الليلية وصديقاً لزجاجة الويسكي.
ابتسم الزعيم مرة ثانية بإعجاب؛ رسم بقبضته وإبهامه علامة شبابية محيّيا طرحي. اعتقدت جازماً أن نصف الفكرة وصلته لتجاهله نصفها الآخر. انفرجت أساريره لهزيمة المثقفين، وانقبضت لدور الشعب القادم. لم أنشغل باعتقادي، منعت تأثير إيحاءاته على سياق أفكاري، واصلت محاضرتي من دون النظر إليه، متجنباً حواراً ثنائياً خفيّا بيني وبينه. تحدثت عن الإعلام الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي وتحرّرها من الرقيب الرسمي، ما سيكون عاملا مهمّا في توجيه ضربات للمنظومة الرسمية، إذ قد يكون مفجر الثورة غير معروف، لا يمتلك سوى كمبيوتر محمول أو هاتف ذكي، أو فتاة سافرة أو محجبة انتبذت ركناً في غرفتها وأطلقت شررها.
أضاء هاتف الزعيم فتحدث لخمس ثوان وأقفله راسماً علامة اعتذار بطريقة مهذبة. ابتسمت وقلت (يبدو أن الزعيم بدأ باتخاذ الاحتياطات..)، قهقه وتبعه من في الصالة. تعمّدت اختصار حديثي لملاحظتي تفقُّد الزعيم ساعته مرارا، وفسّرت ذلك بأمرين، الأول، رغبته بالمغادرة، والثاني تحمّسه بتقديم مداخلة، انتصر الاحتمال الثاني فكان أول المتحدثين، بدا لي كلامه حديث شاب يساري ثوري، يبشر بالتغيير والثورات التي ستعم مساحات كثيرة من العالم العربي، أكد ثانية وبحماسة على أن التغيير قادمٌ لا محالة: (أكاد أن أرى علاماته كما رأى الرسول محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم علامات يوم القيامة)، انبرى أحد الحضور مخالفاً نظام المحاضرات: (بشّر الرسول بالقيامة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام يا سيّدي ولم تحدث حتى اللحظة، فهل ما تفضلتم به يشبه كلام يهودية مسنّة، كانت جارة لجدتي قبل خروجها من قرية "شّعَبْ" في ضواحي عكا في فلسطين في العام 1949، بأن اللاجئين سيعودون، وإسرائيل ستزول، وعليكم أن تصبروا فقط؟).
انتهت المحاضرة عند نهوض الزعيم ملتفتاً ناحية الشاب: (مشاهد التغيير يا أستاذ ستحمل أهوال يوم القيامة، لكن عليكم تحمّل الفوضى التي ستصنعونها بأنفسكم..).