-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

موت الناشر.. قصة قصيرة: للأديب أ. هادي المياح/ العراق

 موت الناشر / الرواية التي لم تنشر بسبب العنوان.

هادي المياح

للمرة الثانية، عند أول قدومه من السفر ، يصادفه صديقه المغترب في الطريق. المرة الأولى كانت قبل عام.
-ما هذا الذي بيدك ، لا تقل مخطوطة روايتك "موت الناشر" ؟
-آه ، هي تماما.
- قبل عام رأيتك وأنت في طريقك الى دار النشر!
- واليوم سأقابل مدير التحرير، كمحاولة أخيرة.
-في الغربة، دور النشر هي التي تبحث عن الكاتب وليس العكس!.
••••••••
عندما وجد نفسه أمام الرجل في المكتب. بدت المقابلة من أولها غير طبيعية. كانت خطوته الأولى قبل عبوره الشارع تشير الى ذلك. فقد ابصر من مكانه لوحة صغيرة معلقة على واجهة المكتب، وبعد اجتيازه بصعوبة حركة المرور، رأى عبر الزجاج داخل المكتب، رجلا يجلس خلف طاولة قديمة .
كان يتأبط أوراق مخطوطته التي عانت مثله بسبب التأخير ومرورها على اصابع التمحيص. وبعد قليل يسلمها الى الدار ، لهذا الرجل الذي يبدو عصامياً من الطراز الاول. فقد اضافت له اللوحة الاعلانية التي لا تتجاوز السنتمترات.! همًّا آخر ..
حين سأله الرجل عن العنوان، استبشر خيرا، وراح يتفحص وجهه ليتبين تجاعيده التي تكمن فيها بذور الإلهام. كان يبالغ باهتمامه بحيث يظهر تردده كلما وجّه له سؤالًاجديدا يدس بين سطوره اشارة الى "العنوان". كانت نظرات الرجل تحفز عنده الشعور بالذنب لمجرد انه الكاتب وهو الناشر الذي بيده كل شيء. رغم أنه يكتب نصًا خياليًا لا علاقة مباشرة لأحد به.. ولو أنه استمر يلفّ ويدور حول "العنوان" ،فلربما تبقى الرواية سنينا دون أن تصل ضفة الأمان.
كان الرجل يتحدث باهتمام بالغ ويركز بين حين وآخر على مفردة العنوان.. و يشير بأنه ربما امتدادًا للسجال الذي ظهر منذ فترة عن موت المؤلف أو موت الناقد. ولاحظه ينظر إليه بعمق تعلو وجهه ابتسامة غامضة :
-هل انت تريد لنا الموت؟
-أبدًا،لا يصح هذا. وللتوضيح أكثر أو للدفاع عن نصه أو نفسه قال:
-مثلاً أنهم حين قالوا بموت المؤلف لم يقصدوا سوى فصله عن النص بغية خلاصهُ واستبعادهُ من طغيان الناقد. هل مجرد الفصل يعني الموت؟
ابتسم الرجل مرة اخرى وقال:
-ألا تعلم أن المؤلف يرتبط بنصه كما ترتبط السمكة بالماء، ألا تموت السمكة بفصلها و إخراجها من الماء..
- يا استاذ هل يصح أن نقارن الإنسان بسمكة؟
•••••••
شعر بإجابته هذه، أنه يمهّد الطريق لجدال عقيم لا يسير لصالحه. وأخذ يفكر بطريقة مثلى للخروج من هذه المحنة. صحيح أن هناك ما ولّد لديه الإثارة داخل المكتب ودعاه للتسرع. وهو ما يكفي لاثارة جمهور غفير.. كان ذلك بعد أن سلّمه المخطوطة بقليل، اذ بدأت أنفاسه تتشبع برائحة الورق والحبر في المكتب، وكانت عيناه تتشبثان بعيني الرجل من جهة وانعكاساتها على العنوان الذي أخذ يثير حساسية خاصة، من جهة أخرى.
غاب على أثر ذلك في أجواء المكتب وموجوداته. بينما راح الرجل يقرأ ويقرأ. وهو لمّا يزل جالساً أمامه. مرّ اكثر من ربع ساعة والرجل يقرأ. تلاه وقتاً آخر وهو لا يزال مكبّاً على الاوراق، لم تطرف له عين.
تأخَر عليه كثيراً حتى داخله الملل . وراحت عيونه تدور في زوايا المكان، إبتداءً من الباب حتى رف الكتب الاخير على الحائط مروراً بالطاولة التي يجلس عليها الرجل. سرح خارج المكتب، مرت بذهنه عدة أشياء، تذكر حوادث ومواقف وحكايات. غالبه النعاس اكثر من مرة، وكلما انتبه وقف مأخوذا بكل حواسه. فقد أشعره صمت ذلك الرجل بالملل.
عدة مرات حاول ان يلفت انتباهه لكن دون فائدة ، وبدا صامتاً امامه، لا يسمع منه غير صوت تقليب الأوراق. فكر أن يستغل عدم انتباهه، بان يترك أوراقه ويخرج. ففيها اسمه وعنوانه ورقم تلفونه. حيث لا توجد طريقة أخرى.
في وسط الشارع العريض خارج المكتب، سمع صوتاً أتاه من الخلف :
أستاذ..استاذ!
.......
.....
تلا ذلك قرقعة و صراخ واوراق تبعثرت هنا وهناك وسط الشارع!
قطع خياله نقر متقطع فوق الطاولة، رأى امامه الرجل الذي مات قبل قليل بحادث سيارة، فرك عينيه بباطن كفيه وبحلق في وجهه ، كانت لحظات سعيدة لكنها مشوبة بالألم، قلما نمر بها كمن يحلم بانه وقع من مكان شاهق ، ثم فجأة يجد نفسه في سريره.
••••••••
بعد يأس شديد، ترك المخطوطة عنده فيها عنوانه ورقم هاتفه، وعاد الى بيته مهمومًا. اتّصل به صديقه وقال:
- يُفضّل أن تغيّر العنوان.
وبعد تفكير طويل، رأى أن ما يقوله صديقه عين الصواب. لكنّ تغيير العنوان ليس بالامر الهيّن. ويتطلب إعادة النظر بالنص.. بأكمله. والتداول مع الراوي والبطل حول ترتيب بعض الأمور و التوليفات.
شعر بأن الراوي الذي أوْكله في سرد الحبكة استنفرَ لدى سماعه بالتغيير، ورفض الفكرة برمتها، مدعيًا بانّه سيلغي توكيله فوراً! اذا اصرّ على تغيير عنوان الرواية أو إجبره على ذلك. وأوضح:ماذا يتبقى من الحبكة؟ اليس العنوان هو الأزمة الرئيسة التي تعالجها؟
- لكنه عنوان مستفزًا للناشر، أليس كذلك؟
-أنا أردته هكذا. لو فرضنا حاولت تغييره، ماذا سيكون البديل؟
- لنقل(حمّى النشر) مثلاً؟
-هذا العنوان يفي بالغرض لو كنت في بداية السرد وليس في نهايته! احتفظ بهذا العنوان لروايتك القادمة. قال الراوي وصمت.
••••••••
بعد أسبوع اتصل به الرجل الذي عرف لاحقا بأنهُ المعاون وقال:
روايتك على مكتب السيد المدير.والرأي يعود له بالموافقة أو الرفض.
فأدرك أن المشوار الصعب قد بدأ الآن. وقال مع نفسه: أنا أكتب دون أن يملي عليّ أحد، فلماذا اتقيّد بدار نشر أو مدير تحرير، وهناك اكثر من دار للطباعة ، لماذا يقيّدني شخص واحد له مزاجه وميوله الخاصة؟ قال ذلك قبل أن يطرق باب مكتب المدير:
-انت حضرتك رئيس التحرير ؟
-تفضّل.
-وصلني امس أنّ روايتي أمام حضرتك ، ممكن اعرف متى يتم تحريرها؟
لم يلتفت مدير التحرير له. وانشغل بتقليب الأوراق أمامه..أجرى مكالمة هاتفية..دخّن سيجارة.. نبّه على السكرتيرة بالحضور. لكنّ السكرتيرة حين حضرت، لم تكن تحمل بيدها شيئا!
تأوه فخرج صوته مسموعًا دون إرادته. لطالما كان يتحرّق لمعرفة رأيه بالرواية، ونتيجة مراجعاته. التفت المدير له وقال بحنق ما لا يمكن تصديقة. بقي يردِّد كلماته الغريبة على طول الطريق، حتى مكتب الطباعة:
"سأُحررها بالوقت المناسب..لماذا انت مستعجل هكذا؟ .. هناك دول مضى عليها اكثر من سبعين عامًا ولم تتحرر!"
وقتها يأس منه وضحك بسخرية وقال له قبل أن يخرج :
"عليك أن تعالج نفسك فقد تكون مصاباً بحمّى النشر!"



١٤ تعليقًا


عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية