الدراما الفاعلة ضمن النص
الواحد و التكثيف اللغوي والتصويري
قراءة نقدية في قصيدة ( أمّاه ) للشاعر العراقي قصي الفضلي
- يبدأ الشّاعر نصه بنداء عميق يمده عمداً ; إشارة لمد صوته وهو يستحضر ويصرخ ، وهو في هذا المقام يجسد ما يسمي بالوطن الأم ، (الوطن المرأة) ; فهذه الأم هي بغداد ، وطنه ، الذي يناديه ليسمعه ، وهذا الرمز - رمز المرأة الوطن- قد استخدم كثيراً في الشعر الحديث ، ولعل نزار قباتي من أهم من استخدمه في هذا السياق ، ويستحيل أن ننظر إلى المرأة داخل النص على أنها امراة حقيقة ، فكل المؤشرات فيه ترمز إلى شمولية هذا الرمز ، ها هو يخاطبها (المرأة /بغداد) ، فيعرف ذاته أمامها : (أنا المتلفع) ، بمسند ومسند إليه ، ثم يخصص ذلك التلفع بتنهيدة ضفيرتها ، فهو يسبغ جماليات الأنثى عليها ، ويتعلق بها ، والألفاظ دالة على هذه العلاقة : ضفيرتك / أماه / الثدي / يدك .
- حساسية التصوير ماثلة في النص ببراعة قناص ، هذا نتحسسه في كثير من الصور ، كقوله مثلاً:
(صوتك المبعثر ينفخني /يدك الصماء تعانق السماء/ اعتلي أسوار الآه )
- ونلاحظ استخدام اسم المفعول في النص : مكتوم / مكسورة / مكتومة / دلالةً على المطاوعة والخضوع ، بينما اسم الفاعل : المتلفع ، دلالة على التماهي والانصهار والاتحاد بعوالم المخاطب .
- يتنوع الخطاب بين سردية في البداية ، لتنقل أحداث الشاعر وما بروحه من وقائع (ما عادت صرخة الثدي مكتومة / نتسول بقايا وطن ) ، وإنشائية عبرت عن انفعاله ورغباته ، وثورته (اعتلي أسوار الآه) ، وهذا يعبر عن الخط الانفعالي لوجدان الشاعر بين صعود وهبوط ، يزيد التوتر بدراما فاعلة ضمن النص الواحد .
- التقديم والتأخير ملمح ملحوظ في هذا النص ، عبر من خلاله الشاعر عن تقديم الأهم للفت انتباه المتلقي وتشويقه :
(بل روحٌ أنا )
(ولا في أزقة العتم نتسول بقايا وطن) .
- نستطيع أن نلاحظ أيضاً تراسلاً في الحواس ، إذ إن استخدام هذه العلاقات بتبادل جديد ، يخلق حيوية في النص ، تلغي تراتبيته وجاهزيته ، ليصبح بما فيه من تكثيف لغوي وتصويري وبنيوي ، شعراً شعراً:
(يدك الصماء / صوتك ينفخني )
- النص يبتعد عن الكتابة المعتادة والمكرورة ويقوم على التكثيف اللغوي والتصويري الذي يمنحه احتقاناً شعرياً ، ابتداء من نداء الشاعر (أماه (المرأة لوطن)) إلى النهاية المحتومة التي ترمي إلى الوطن نفسه ، فهو بذلك يجعلها بداية ونهاية لا بد منها ، هذه الأم الوطن التي لا بد من أن ترضع أولادها يوماً من خيراتها عندما تثور وتثور :
(ما عادت صرخة الثدي مكتومة )
فهي بذلك تنذر بميلاد جديد لأبنها الشاعر ، الذي خاطبها بصفة الأم ، ليرمي إلى بغداد بخلود شفاف وشعري واضح .
فاطمة حيدر العطاالله

