-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

يا كلّ الدنى ... قصة بقلم أ . اميرة ابراهيم

يا كلّ الدنى

بقلم / أ . اميرة ابراهيم



لايمكن لدروب الحياة أن تمضي على استقامة واحدة، سيكون هناك منعطفات تغير مسارك في أي لحظة، ولن يكون لديك الوقت لتقرر أو تختار أو أن تأخذ نفسًا عميقًا أو تتراجع إلى الخلف..
هي خطوات تتلوها خطوات وأنت تسير في هذه الدّرب رغمًا عنك ربما يكون المنعطف جميلاً..سعيدًا لايشوبه الحزن، وربما كان مؤلمًا كالموت مثلاً..
أما مؤيد فقد كانت حياته رتيبة، مملة، تتكرر الأشياء ذاتها ولاجديد فيها إلى أن سكنت تلك العائلة في حيّه،كانت تتكون من الأبوين وفتاتين وولد،وبحكم عمل مؤيد كان لابد أن يمرّفي كلّ صباح من أمام منزل العائلة الجديدة.
ذات يوم لمح الفتاة الكبرى..نظر إليها،إلى جمالها،إلى خجلها..ويبدو أن سهم الحب أصاب قلبه.
لم يكن يؤمن أن الحبّ يمكن أن يكون من النظرة الأولى،في تلك الليلة لم يفارقه خيالها..ووجهها..يحاول النوم، لكن عبثًا إلى أن بزغ ضوء الفجر حيث كانت أمنيته أن تتكرر الصدفة ثانية ويراها..ترى مااسمها؟
ماذا تحب؟
ماذا تكره؟
أسئلة كثيرة كانت تحوم داخله، لبس ثيابًا جميلة وتعطر..وكعادته خرج إلى عمله ولكن اليوم بوقت مبكر لأنه لم يستطع الإنتظار أكثر.
كانت خطواته بطيئة وكلما اقترب من منزلها اضطرب قلبه وخفق بشدة أكثر، لم يخب ظنه..هاهي تخرج من بيتها باتجاه المدرسة، رآها وهي تمشي فأسرع إليها..سابقها في خطواته..اقترب منها وابتسم..
مؤيد:صباح الخير..
نظرت إليه وابتسمت..تابعت طريقها ..ومشى كل في اتجاه.
غمرت مؤيد فرحة كبيرة..ابتسمت لي..نعم...لي..هذا ماكان يردده في أعماقه.
لم يكتفِ مؤيد بانتظارها كلّ صباح، حتى في أيام المطر والبرد كان مواظبًا لتسحره بابتسامتها ومن ثم تختفي.
أما مؤيد..ذاك الشاب العصامي الذي لم يكمل تعليمه الدراسي وسلك طريق العمل مضطرًا ليعيل أسرته ،فقد كان الإبن الأكبر.
كانت الحياة قاسيةعليه،لكنه اعتاد أن يكون مبتسمًا في كلّ مايمرّ به .
كان رومانسيًّا جدًّا يحلم بفتاة يحبها وتحبه ويرفض الزواج التقليدي رغم إلحاح والدته المستمر بضرورة زواجه والتي يأست بعد مرور الزمن.
ذات صباح وبطريقة ما يحصل مؤبد على رقم الفتاة (هيا) ترتجف أصابعه وهو يضغط على أزرار جهازه النقال،هل سيسمع صوتها؟
ماذا سيقول ؟
تردد كثيرًا واستمر لساعات وهو يفكر، أخيرًا استجمع قواه وطلب الرقم..هاهي النغمة يسمعها وتزداد دقات قلبه ،يختفي صوته عندما يسمع ألو..من ..؟
-أنا..أنا مؤيد
-من مؤيد ؟
-أنا جاركم..هناك.. صباحًا..كلّ يوم..
لم يستطع ترتيب جمله، كانت متقطعة كصوته.
-آااه..هذا أنت ؟ لماذا تتصل بي؟ ومن أين حصلت على رقمي ؟ الرجاء عدم الإتصال بي مرة أخرى..وتنهي الإتصال.
أيام ثقيلة تمر ومؤيد كالسابح في دنيا مظلمة إلى أن قرر مرة أخرى أن يتصل بها عن طريق الواتس..نعم..كيف لم يخطر ببالي ذلك..هناك ستكون الكتابة أفضل ولن يتردد بالحديث ولن يخذله صوته، سيكتب مشاعره بصدق وأنه يحبها سيقول كل ماهو مخفي في هذا القلب،وحدث حقًا أن كتب وبعد محاولات عدة لمح أمامه وميض حب وشعور متبادل .
هيا ومؤيد والحب يجمعهما كانا كعصفورين يطيران في دنيا العشق، يقضي الوقت بانتظارها فقد اعتاد كلّ يوم لمرافقتها إلى منزلها حتى في أيام المطر والبرد ،هو جنون الحب ليس إلا عندما يخترق سهم الحب قلبًا فلا وقت للتفكير أو التعقل.
تمر الأيام السعيدة بسرعة ويكبر الحب كبذرة تزرعها داخلك لتنبت وتكبر وتزهر في الربيع،ثلاث سنوات وكأنها حلم جميل تتفوق هيا في دراستها وتحصل على الشهادة الثانوية ومؤيد مستمر في حبها وخوفه عليها.
وككل علاقة حب صادقة كان لابد أن تنتهي بالإستقرار حينها قرى مؤيد أن يخبر أسرته بنيته بالزواج من هيا وكانت فرحة أمه كبيرة جدًا،تم الإتفاق على موعد لزيارة أسرة هيا وبالفعل اجتمعت العائلتان وممازاد في شجاعة مؤيد هو معرفة والد هيا له فقد كان يخص له مكانة كبيرة ويفخر بكونه شاب مخلص في عمله وحياته وذو سمعة حسنة .
في تلك الزيارة كان مؤيد سعيدًا ويكاد يطير من الفرح..هاهو حلمه سيتحقق.
أما والد هيا فيقول لمؤيد وكالعادة سنفكر بالموضوع عند عودة هيا من الجامعة ولن نجد زوجًا أفضل منك وسيقدم الله ماهو خير لنا جميعًا.
عاد مؤيد ووالدته إلى البيت وفور وصوله يتصل بهيا التي كانت في الجامعة لتسجل في كلية الإقتصاد .
-هيا..حبيبتي..سيتحقق حلمنا قريبًا..وقد عدنا الآن أنا ووالدتي من زيارة لأهلك.
صمت...طال صمت هيا
مؤيد:هيا..حبيبتي..مابك ؟ هل أنت بخير؟
هيا: لكنك لم تخبرني بالزيارة؟
مؤيد: نعم حبيبتي..أحببت أن تكون لك مفاجأة ..ألست سعيدة؟ ألاتحبين أن نتزوج تحت سقف بيت واحد.
هيا: نعم..أحب ولكن كان من المفترض أن تخبرني..وأنا الآن لست مستعدة للزواج وأريد إكمال دراستي الجامعية.
مؤيد: لابأس حبيبتي..لامانع أن تكمليها بعد الزواج بإمكانك ذلك وسأهيئ لك كل ماتحتاجينه لدراستك.
هيا: حسنًا مؤيد أنا الآن مشغولة سنتحدث لاحقًا وتنهي الإتصال.
يمر يومان وأكثر وهيا لاتجيب على اتصالات مؤيد لم يعرف ماذا حصل ؟ أو بالأحرى مالذنب الذي اقترفه إلى أن اتصلت به والدة هيا لتخبره بالخبر الصاعقة وهو رفض هيا للزواج حاليًا وأنها ستكمل دراستها الجامعية،تجمدت أصابع مؤيد وكأن سكينًا اخترق صدره اختفى صوته ولم يستطع الرد على والدة هيا.
في هذه الأثناء تدور في ذاكرته الأيام التي قضاها مع هيا أمام المدرسة وهو ينتظرها وقد تبللت ثيابه من المطر، كيف ينسى تشابك الأصابع والركض معًا تحت المطر بل كيف ينسى حين تشاجرت هيا مع والدتها ولجأت لحبيبها وجلسا في الحديقة قرابة الخمس ساعات لم يشعرا بمرور الوقت حينها وكيف نامت على كتفه وهو يحضنها بكل حنان.
كيف ينسى حين كانت تترك رسائلها كل صباح على زجاج السيارة مكتوب في آخرها (ياكل الدنى)
هل كان هذا كله سرابًا ؟ أو وهمًا أو أن السعادة لاتكتمل أبدًا.
كيف يمكن للعقل أن يتخيل الحياة دون هيا..ياااه..
سابقًا كانوا يقولون أن الحب سعادة مؤلمة بكل مافيها..ولكن في حب مؤيد وهيا هناك ألم مضاعف.
اسودت الدنيا في عيني مؤيد فقدْ فقدَ حبه الجميل وحلمه الأجمل،لم تعد هيا تراسله ولم تعد تنتظر اتصاله،لم تعد تحبه..ياااه ماأقسى هذا الإحساس، عندما تجد نفسك وكأنك تسقط من الأعلى إلى الهاوية إلى اللانهاية إلى اللاقرار.
تمر الأيام وتمضي بضعة أشهر ومؤيد يصارع ألم القرار ويحاول إغراق نفسه بالعمل حيث يقضي معظم الوقت خارج البيت كي لايصادف بيت هيا في طريق العودة هو هروب فقط إنما حبها في قلبه مازال موجودًا.
في كل ليلة تهاجمه رياح الذكرى،الصور،الهمسات ينام على وسادة مليئة بالدموع.
ذات يوم يتلقى مؤيد رسالة في هاتفه يفتح الرسالة إنها من هيا..يخفق القلب..يسارع بقراءة الرسالة
مؤيد..كيف أنت ؟ اشتقت إليكَ؟ أعتذر لماحصل بيننا وأؤكد لك أني مازلت أحبك.
تتكرر الرسائل بينهما وتستمر لفترة من الزمن ..كانت مليئة بالعتاب والألم والإعتذار
كان يحاول مؤيد معرفة أجوبة لأسئلته..لقسوة قلب هيا،كان كالتائه في دنيا كبيرة يحاول التشبث بالحياة ،يحاول الدفاع عن حبه وهنا تخبره هيا بضرورة اللقاء في مكانهما المعتاد رغم رفض مؤيد المبدئي للقاء ولكنه كان يود معرفة السبب.
اتفقا على ساعة للقاء ، والتقيا وكأنه كأول لقاء بينهما يترددان بالحديث..تعتذر وتبرر بقولها.
لاأعرف ماحصل، هدفي هو إكمال دراستي ولكني لم أستطع الإبتعاد عنك .
انتهى اللقاء ومؤيد لم يتفوه إلا ببضع كلمات وكأن هناك من لجم الحرف داخله، من أخفى صوته داخل صندوق ورمى به إلى البحر.
عاد مؤيد إلى منزله والأفكار تكاد تخنقه كان يحبها كثيرًا كان يعشق كل شيء فيها ويحلم كل لحظة بها، كان حبها عميقًا جدًا فقد أحبها بصدق، يخفق قلبه كلما تذكر عينيها وهي تحدثه.
هل يعود إلى حبها؟ هل يستمر بعد أن جرحته ورفضته سابقًا، كيف يزيح تلك الغصة التي كادت أن تخنقه؟
العقل يرفض والقلب يخفق ومؤيد تاه في بحر من التساؤلات.
لم يشعر بنفسه هاهو يتصل بهيا ليخبرها أنه لم يستطع نسيان ماحدث..هو جرح كبير ولكنه مؤلم جدًا .
أغلق الهاتف بجملة :أتمنى لك حياة سعيدة.
يمسح ماذرفت عيناه من دموع ليسمع صوت آذان الفجر، يبتسم ليومه الجديد
انتهت بعون الله

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية