بوصلة
بقلم الأديبة : نور الهدى عكاشة / سوريا
يتراكض أحفادي على الدرج الرخاميّ، يتسابقون بالنزول باتجاهي. أتلقفهم بلهفة والضحك يهز كريستال الثريا لتصدر رنيناً أعشقه. يتحلقون حولي في الصالة الكبيرة بانتظار أن أسرد عليهم قصة حبي الموعودة:
حين مالت، مالت معها كل أشجار السرو من حولنا، ودارت فوقها زوبعة فراشات وطيور، كانت الطبيعة كلها تتراقص من حولها يمينا وشمالا . سحرٌ تجلى بفضية ضوء القمر، وأنغام أم كلثوم ودارت الأيام تطغى على ضجيج الحرب في الخارج، وجاليلو يمعن النظر من بعيد يكتشف من جديد نظريته ويصيح "لكنها تدور".
كم هو قاصر مفهوم المسافة لتشخيص ما بيننا من مسافات. هي تتألّق بحفلتها بين صديقاتها، وأبوها السيد صاحب القصر يحنو عليها، يقبّلُها، يقدم لها سلسلة ذهبية مرصّعة تصفعني بعدد الألماس في قلادتها لانتبه كم أنا بعيدٌ ومنفي عند باب القصر، أحرس حلمي الجميل أستمتع بحاجتهم لي وبحماية شفيفة أحيطها بها.
لم تلحظ وجودي يوماً، لم تقرأ أشعارا كتبت لعينيها، كما لم تلحظ وجود باب أو شباك في المنزل. لم تشعل التحية التي ألقيها عليها كلَّ صباح أيُّ اهتمامٍ، ولم تنعم بأي رد.
أرَّقني هذا الحب كثيراً. لم أعد أحتمل الكتمان ولو كلفني هذا وظيفتي وحياتي كلها. فالحب لوعةٌ وجنون.
تسلّلتُ في يومٍ إلى مكتبها، غرفةٌ بمكتبة أنيقة ورفوف خشبية تلمع لا ترى ذرة غبارٍ عليها والكتب تصطف بانتظام أنيق وأغلفة بهيّة. طاولتها مرتبة نظيفة فارغة إلا من كتاب وحيد يبدو أنها لم تفرغ من قراءته. نظرت حولي وتأكدت من خلو المكان، دسستُ لها رسالتي التي لم أجرؤ أنْ أعنونها باسمها، فكيف لي أنْ أدنّس حروف أسمها النبيلة . كنت قد وقّعت باسمي الصريح دون تردد ، خرجت مسرعاً من باب الغرفة. باغتتني بسمة خادمة المنزل، صبية جميلة، طيبة، ودافئة. بادرَتْ بإلقاء التحية ابتسمتُ لها بحنان، أخفي ارتباكي فقد نسيت أنّه وقت تنظيف المكتب وترتيب الكتب.
سارعتُ لمحرسي الصغير الذي يطلّ على شباك المكتب أنتظر قدري. هالني المشهد، حقائب كثيرة توضع بالسيارات، والسيد وعائلته يهربون بسياراتهم، بعد أن أودعوني ظلالهم كحارس أبدي لهذا الرحيل.
راقبت من بعيد جدتكم بسمة ترمقني بنظرة خجولة، تقبّل بفرحٍ رسالةَ الحب التي أضاعت بوصلتها.


