قراءة في قصيدة "انكشاف" للشاعرة عبلة جابر في ضوء النقد النسوي
إنَّ تيارات النقد النسوي هي تيارات اجتماعية أو سياسية تلتقي في النقد النسائي حول فكرة الانتصار للمرأة ، والمطالبة بفرص لها مساوية مع الرجل في النظام الاجتماعي ، وعموماً فإنَّ النقد النسوي يهدف إلى البحث عن مدى نسوية وأدبية وجوهرية هذه الممارسات النقدية والأدبية .
- وتقدم الشاعرة "عبلة جابر" في قصيدتها (انكشاف) شعراً نقديَّاً راصداْ لما هو عليه المرأة الشرقية في غضب يصل إلى ذروة توتره ، في تضاعيف الأبيات ، فهي تتحدث بلسانها بضمير المتكلم لكي تعبّر عن عن الآخر ; فتبينمن خلال العنوان (انكشاف) نظرتها الخاصّة وكشفها الشعري الخاص في إطار من السرد الذي يعبر عن تجربتها الخاصة لتنطلق من خلاله للحديث عن واقع المرأة العربيّة والمسلمة بشكل خاص ، في المجتمع الذي تسطير فيه السلطة الأبوية بشكل ملحوظ .
- وسنقف في هذه القراءة النقدية على نسوية الخطاب ونسوية الفكر .
نسوية الفكر :
- يبدأ النص في المقام الأول بالوقوف على مكانة المرأة الشرقية ومكانتها في المجتمع الشرقي المحافظ ، ومدى انحسار دورها ومحاولتها في الخلاص ، وتوقها للتخلص من سطوة الذكورية الغالبة، وعنادها ، وهذا يتكشف في الأبيات الأولى ; إذ تقول:
يداهمني الزمان ولست فيهِ
وينكرني المكان فأشتهيهِ
وأحملُ في جيوب الروح عطراً
تبدده المنافي ، أفتديهِ
بدمع القلب ، كلِّ جنى ضلوعي
بألف خريطة آمضي لتيهي
أحاول أن أفسرها حياتي
لأعرف أي درب أقتفيهِ
- وهي هنا تتحدث بلسان المرأة العربية لتؤكد على الجانب المظلم لواقع المرأة (ينكرني المكان) ، وتبرز عنادها (فأشتهيه) وثورتها ، وتنتقل بعد سرد لطيف اللهجة إلى خطاب فكري تساؤلي غاضب ، وهي ترصد محاصرة المرآة يذريعة الدين ، إذ تقول :
تحاصرني حدود لا أراها
فلي جسد يقاتل عاشقيهِ
وهي هنا ترمي إلى محدودية مكانة المرأة الشرقية ، وإلى الضوابط التي تحد من كينونتها ، تلك الضوابط والمعايير الاجتماعية التي لا تراها حقيقة الجوهر ، فهي لا تقف عند حدود الجسد ; إنما تتعدى إلى مصادرة حق الكلام ; أي مصادرتها عموماً ، وتنتقل إلى الحدود الدينية ، تتحدث عن الحجاب ، لتدلل على مدى معاناة المرآة المحجبة اجتماعياً ، فترصد حالة الحجاب الذي غدت أهميته -في نظرة المجتمع الذكوري -مجرد (شال ) يغطي شعر المرأة يُتخذ ذريعة لمحاصرتها ، لا واجباً دينياً ، وهي هنا تصل لذروة الاحتقان والانفعال فتقول:
وشالٌ كم تحاصره النوايا
لأهمس في المرايا : مزّقيهِ
أرتقه فتجرحني خطايا
وحلم لست أدري ما يعيهِ
- بذلك ، تؤكد على محاصرة المرأة اجتماعياً بذريعة الدين، فهي بحكم (حجابها) لا يحق لها ممارسة حياتها المعتادة ، فتبقى في هذا الحصار الاجتماعي ، والشاعرة تعلم أن الدين لا يقصر دور المرأة ولا يقصيها ، ولا يحدُّ من كينونتها ، ولكنها ترمي إلى أن الذكورية تستخدم الدين لقتل صوت الأنثى ، حتى تمزق تلك الحدود الواهية ،وتتحرر منها ، ثم بعد ذلك تتحدث عن المرأة الشاعرة العربية ; أي عن ذاتها ، بصورة أكثر خصوصية ، فتقول :
أرتقه فتجرحني خطايا
وحلم لست أدري ما يعيهِ
أفسره على مرأى انتظار
من الوطن المؤبد في بنيهِ
- هنا تتضخم أحلام الشاعرة وطموحاتها -بطبيعة الحال- التي لا تعرف حدَّا ، وتحاول أن تفسره ، هذا الحلم ، أو ربما هذا الحمل الذي يراودها دائماً ، لأنها ضمير أمتها حالها حال الشاعر الرجل ، تتجرع فيه مرارة الجراح وتنقلها نقلاً لا تهادن فيه عن الحقيقة ، والصوت العالي ، وهذه العذابات الكثيرة المعتقة سنين كثيرة ، لا بدَّ لها من أن تنفجر بركاناً يصهل بصوتها الغاضب; لينطق بكل ما يختلج في ذاتها المعذبة ; فتنطلق إلى الثورة :
فثوري فوق أشلاء الضحايا
كما العنقاء تنهض ضمديهِ
- عبلة الشاعرة ترى المرأة هي الحل والنجاة ، لأنها الخصب والنماء ، فتحدث ذاتها ، وتقول لأناها الشاعرة الواثقة :
وكوني مثل عشتار جمالاً
يؤرخ للجنون ويعتليهِ
وهي هنا تستخدم (عشتار) إله الحب والخصب ، رمزاً ومثالاْ ونموذجاً .
- ثم تبين لنا دور المرأة إبداعياً ، ومشاطرتها الرجل في حق التعبير والشعر والكلام ، فهي تنقل الواقع والحقيقة والحكايا نقلاً صادقاً ، لأن الشعر لا يقتصر على الرجل كنوع بشري خاص ، إنما تحمله الأنثى في وجدانها ، وتعبر من خلاله عن كل ما يختلج في داخلها وكل ما يفعلها ، تعبر عن ما تريد ، كما يعبر الشاعر الرجل في العملية الإبداعية الشعرية ، أي أن دورها لا يقتصر على حمل الملعقة بل أن تحمل القلم في اليد الثانية :
وغيبي في سماوات وغنّي
فكم في الأرض من جرح؟ سليهِ
وكم فيها من الأيتام بحراً
تمادى غارقاً ، لا تنقذيه
سيتركنا كما الأطفال نحبو
نشدُّ على الرمال ونرتجيهِ
فتضحك وسع خيمتنا جراح
ونسكر من شقاء نحتسيهِ
- وفي الوقت الذي رصدت فيه حال المرآة اجتماعياً وفكرياْ وشعرياً ، كان لا بدَّ لها في هذا النقد الشعري أن تتحدث عن المرأة العربية عاطفياً ، وقد فعلت ذلك ، وهي تبين القيود المفروضة عليها ، التي تبقى فيها رهن العرف الاجتماعي والديني ، علماً أن الدين والعرف لا يحدان من المرأة ولا يكبلان معصميها ; إلا أن القصد، هو السيطرة الأبوية التي تستخدمها ذريعة ، للحد من كون المرأة وكينونتها ، فتقول :
وأحكي عن بلاد كم تمادت
تفرّق بيننا باسم الفقيهِ
فكم فيها وكم فيها صبايا
قضمن الحبَّ من جوع بديهِ ؟!
أضعن العمر في ركب السبايا
فمن قيدٍ إلى قيدٍ يليهِ
- هنا إشارة واضحة إلى حصار المرأة العربية عاطفياً ; خوفاً من سطوة المجتمع الذي قد يواجهها بالذبح أو القتل ، المجتمع الذي يعج بالمتناقضات ، إذ يحق للرجل أن يعشق ويعبر عن ذلك العشق ، ولا يحق للمرأة ما حقَّ له ، صحيح أنها تأخذ رور المعشوقة ، ولكنها تعيش ذلك الحب سراً وخلسة ، وهنا تبقى في قيد جديد يُلف حول قلبها ، الذي يمنعه المجتمع الذكوري من النبض ، إلا لأجل البقاء على قيد الحياة!
- ولعلَّ هذه الفكرة تحدث عنها نزار قباني في قصيدة "اليوميات" عندما قال على لسان المرأة :
فاطمة قام بالإرسال أمس، الساعة 9:55 م
لماذا .. في مدينتنا؟
نعيش الحب تهريباً .. وتزويراً ؟
ونسرق من شقوق الباب موعدنا ..
ونستعطي الرسائل ..
والمشاويرا ..
لماذا في مدينتنا؟
يصيدون العواطف والعصافيرا ...
لماذا نحن قصدير ؟
وما يبقى من الانسان ..
حين يصير قصديرا ؟
لماذا نحن مزدوجون
إحساساً .. وتفكيرا ؟
لماذا نحن أرضيون ..
تحتيون ..
نخشى الشمس والنورا ؟
- بعد ذلك الصمت والصراع ، لا بدَّ من الجموح والثورة ، فتنتهي القصيدة بالثورة ، وهي ميلاد جديدة لكينونة واجبة ، مستحقة للمرأة العربية ، والشاعرة التي تحمل شعلة الثورة ، على حد سواء ، فتقول :
هي الثورات أنثى لم تهادنْ
ولو باعوا ستصرخ أشتريهِ
أي برغم العذابات التي واجهتها ، لا بد من أن تصرخ ، أن تقول ، أن تتحدث، وأ ن يعلو صوتها ، لتتحرر من القيود الواهية ، والقشور ، وكي تكوّن كينونتها المهمشة .
نسويّة الخطاب :
- تبدأ نسوية اللغة الشعرية ابتداءً من عنوان القصيدة ، "انكشاف" الذي يدل على فاعلية فكر المرأة الشاعرة، فهذا الكشف ينم عن وعيها وتأملها ، وقد كان عنواناً شعرياً بامتياز ، يخدم فكرة النسوية ، إنما ينبع منها ويصب فيها .
- ولا يقتصر الأمر على العنوان ، فإنّ اللغة كانت مطواعة لخدمة الفكرة ، وقد نلحظ ذلك في أكثر من مقام في النص ، فقد كانت هناك عناية في اختيار المفردات ، بحساسية قناص ، لترمي كل لفظة إلى فكرة عميقة ، فمثلاً تقول : (يداهمني الزمان - وينكرني المكان) ، وهذه إشارة إلى محاصرة المرأة ومحدوديتها ، مكانياً عبر الزمان ، وبقولها (أشتهيهِ) ، تأكيد على عنادها وقوتها ، قد نلحظ استخداماً في الصورة واللفظ يدعم نسوية النص ، وهذا كثير 🙁 يطعن خصر قلعتنا ، جسد ، شال ، المرايا ، صبايا ، امرأة ، حقيبة ، أنثى ، عورة الشرف ، تصرخ) .
ولعلَّ حديث الشاعرة مع ذاتها في النص يدل على انعكاس حديثها على الآخر (المرآة ) عموماْ ، لتشكل مع المرأة (الأنا) في مواجهة الآخر (الرجل) ، ويمكننا أن خلال تصاعد الأفعال الواردة بصيغة المضارع حيناً - لتسرد حالتها النفسية والحالية - والآمر حيناً آخر ; لتنطلق إلى الحل ، وهذا الخطاب جاء مع الذات ، ٱلا أنها تخاطب به المرأة انطلاقاً من ذاتها انصهاراً وتماهياً مع المرأة وكونها عموماْ ، ليكون ذلك دلالة على شمولية الخطاب ونسويته .
- هناك دلالة نلحظها في قول الشاعرة (أسايرها ) ;أ ي حياتها ، وفي استخدامها هذه اللفظة دليل على التأقلم والصمت ، والصبر أيضاً على ما هي عليه من حال ، ثم نلاحظ أيضاً تكرار النسق ، الذي خدم فكرة الفداء ، وجاء على الترتيب في قولها :
بدمعِ القلب ..كلّ جنى ضلوعي / بألف خريطة أمضي .
تأكيد فكرة القمع في قولها : (تجرعناه ) وقولها (آهات) وقولها (صبراً) و (السبايا) و (قيد لقيد ) و (باعوا) و (يطعن) .
وبذكر الفكرة المضادة لذلك وهي الثورة تستخدم ما يدل عليها، مثلاً :
(الجموح ، الثورات ، كوني ، ثوري ، للجنون) .
ويتبين الإصرار والتأكيد على كينونة الأنثى وكونها ، من خلال كلمة (كوني) بصيغة الأمر ، دلالة على واجبية الكون والحرية والثورة .
- وإذا ما توقفنا عند الاستدعاءات التاريخية والإسقاطات الأسطورية في النص ، فإننا نلاحظ استدعاء (عشتار) إله الخصب والحب، هذا الاستدعاء الذي ينم عن رغبة الشاعرة في التماهي بعشتار والانصهار بها ، والوصول لمكانتها وعلائها ، بوصفها إلهة الحب والخصب ، وفي هذا امتصاص لشخص عشتار وتماهياً معها واستمداداً لقوتها في ظل ما تعيشه الشاعرة المرأة من انفعال نفسي جعلها تصل إلى ذروة الاحتدام والتوتر ، انتهى بها لاستدعاء عشتار حلاً .
وحين نتحدث عن الحل ، علينا ألا نغفل استدعاءً آخر ، يتجلى في قولها : (أسافر في الحكايا) ، فهنا نتذكرُ عفواً شهرزاد التي اتخذت من السرد حلاً وخلاصاً لها ولبنات جنسها من الذبح من سطوة شهريار ، وهذا تناص تاريخي ، يدعم فكرة النسوية ويؤكد نسوية اللغة المستخدمة ، ويؤصلها .
- وفي تتابع النص نلحظ تناصاً تاريخياً آخر ، في قولها (أضعن العمر في ركب السبايا) ، وهو تقاطع مع حال النسوة قديماً ، التي كانت تسبى في الحرب والضرب ، والشاعرة تنسخ هذه الحال ، تأكيداً على تأصيل فكرة قمع المرأة واستغلالها في إطار تاريخي قديم ، وأن ما هي عليه من ظلم ، ليس ظاهرة جديدة أو مستحدثة ، إنما لها جذور متأصلة منذ زمان السبي والقود .
- ونستطيع أن نلاحظ من استخدام تضاد المعاني في النص ، النزعة الثورية والمقاومة الفاعلة ، كما في قولها : (قاتلن في صمت) فهذا القتال يمثل الثورة ، والصمت يمثل الخنوع ، يتحدان بتناقضهما من أجل حرية المرأة وكونها .
- ولا بد لنا من الوقوف على استخدام الشاعرة للبحر الوافر ، الذي ناسب بتفعيلاته وإيقاعه الانفعال النفسي الذي تشهده ، وانتهاء البيت بهذه القافية المنتهية بالهاء ، الذي يخرج من أقصى الحلق ، في كل مرة يتنهي بها البيت ، لعبر عن حرقة الشاعرة وانفعالها .
- وإننا حين نرصد هذه النسوية الشعرية في هذا النص ، يمكننا أن نستخلص فرادة الخطاب ، وندرة النهاية المتمثلة بالثورة ، ومحاولة بناء ذات جديدة ، تعيش في مخيلة الشاعرة ، مثلتها من خلال أنثوية اللغة ، وثوريتها ، و نسوية الفكرة ، عظمة القنص في رصد حال المرأة العربية ، بالاستناد إلى القوة في الخطاب والبوح ، والشجاعة في الاستدعاء والوقوف على كل جوانب الحياة التي تعيشها المرأة العربية ، والمرأة العربية الشاعرة أيضاً : فكريّاً ، اجتماعياً ، وعاطفياً ، وشعريَّاً .

