عين الرقيب
قراءة وتحليل النصوص الفائزة بالمسابقة الدورية للقصة القصيرة جداً نيسان/ابريل 2021، أو ما أسميه عين الرقيب.
ما يذكر هنا يمثل وجهة نظري النقدية للنصوص الفائزة والذي يتعلق حصراً بالنصوص لا الشخوص … لذا أقدم كامل احترامي وتقديري لأصحاب النصوص جميعا.
======================================
1- النص الفائز بالمركز الأول وهو للكاتب أسامة سلامة:
سُبات
لَمْ تُتقنِ الخوضَ في غِمارِ المعرفة؛ لاذتْ بأطواف العرّافين...
عند هطول الظلامِ.. اجتاحتها أمواجُ الفزّاعات.
……………………………………………………………………………
بحثنا طويلاً في المعنى المعجمي لكلمة (أطواف) فعثرنا على إنها جمع لكلمة (طوف) بفتح الطاء وسكون الواو... والطوف هو الجدار أو الحاجز الذي يبنى حول قطعة أرض... وبرأينا فإن الكاتب أراد غير هذا المعنى وهو الطائفة أو الجماعة أو زمرة العرافين.
قوله (لم تتقن) يشير إلى إن البطلة قد تلقت تعليماً أو معرفةً أو ثقافةً ما ولكنها لم تصل الى مرحلة الوعي اللازم لتجنبها مغبة الخوض في الخرافات او الضرب بالرمل... ونتيجة لعدة عوامل لجأت البطلة الى العرافين.
راهن سلامة في نصه هذا على جملة (عند هطول الظلام) ويشير الظلام في معنى أعمق الى مستنقع الجهل الذي غرقت به البطلة، والجهل ضعف، والضعف يسمح للأشرار بفعل ما يحلو لهم، فتزداد المخاوف وإن كان مصدرها الفزاعات.
تناول الكاتب هذه الثيمة الاجتماعية بطريقة محترفة، حتى العنونة أعطت بعداً آخر لمعنى الجهل واللاوعي، ملاحظتنا الوحيدة هي وجوب استخدامه الفاصلة المنقوطة بدلاً من النقطتين بين جملتي الخاتمة كون الجملة الأولى كانت سبباً للجملة الثانية.
مبارك للكاتب أسامة سلامة.
2- النص الفائز بالمركز الثاني وهو للكاتب موفق أسعد:
فساد
حَينَ شاهَد شِباك العَنْاكِب تَغَطَّي زِجاجَةٌ المُبيد؛ أَيقَنَ أَنْ مَحْصُولٌه
هَالِكٌ.
……………………………………………………………………………
النص بني على مفارقة قوية من خلال ربط المبيد الحشري بوسائل القضاء على أوجه الفساد بكل صورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... اختيار العناكب جاء بشكل ذكي ومدروس خاصة مع علمنا انها تصطاد فرائسها بأوهن الخيوط، فحينما تكتشف المصيدة تنتهي الحلول، وحينما يشترك الجميع في الفساد او يغضوا الطرف عنه تحل الكارثة... ولات حين مناص.
الجميل في هذه القصة أن الفضح للثيمة من خلال العنونة اعطى لها دافعاً نحو النمو داخل المتن من خلا فك ارتباط ذهن المتلقي مع حساباته في التلقي وحصرها بمجرد البخ على الحشرات الظاهرة بزجاجة مبيد... القضية أخطر من ذلك ولاريب... كما إن استخدامه للفعل المضارع (تغطّي) ضمن استمرارية وقوع الحدث... بكل الأحوال جاء تناول الثيمة بشكل ملفت يحسب للكاتب.
مبارك للكاتب موفق أسعد.
3- النص الفائز بالمركز الثالث وهو للكاتبة زينب اسماعيل:
طبيعة
اصطاد الغزالةَ فهدٌ. على بقاياها تصارع ضباع وثعالب.
اكتشفت لجنة إحصاء القتلى، بأن الأموات أرانب!...
……………………………………………………………………………
الأرانب معروفة بجبنها، وكما في بيت الشعر (وفي الهيجاء ما جربت نفسي / ولكن في الهزيمة كالغـزال) ... فالشعوب التي تسمح باستغلال الدخلاء لها ونهب ثرواتها لا تستحق العيش الكريم، فهي كالأرانب تلبس ثوب الهزيمة والعار... وما يدعو للسخرية إن من يدعون الى السلام يحصون الموتى فحسب!
لم يكن هنالك ما يستوجب وضع النقط بعد علامة التعجب... ونستغرب من اختيار هذه العنونة إلا إذا كان القصد كوميديا سوداء من واقع الغابة الذي نعيش.
لا زيادات تذكر.
مبارك للكاتبة زينب اسماعيل.
4- النص الفائز بالمركز الثالث وهو للكاتب هيثم زيتون:
تفسير
أقنعوه: الظلام أجمل...
بمعولِ جدي فتحتُ له منوراً...
تسلّقً خيوطَ الشمس مُسرعاً... إلى الجحيم.
……………………………………………………………………………
في هذا النص البطلان مجهولان، ولكن نرجح انهما البطل وعقله أو قناعته وإيمانه... معول الجد إشارة الى بطولات الآباء السابقين وجهادهم التاريخي لمحاربة قوى الظلام... والتسرع أو عدم التصرف بحكمة صفة ينعت بها الكاتب الأجيال الحاضرة، والذي أودى بهم إلى الجحيم.
أما من أقنعهم بالظلام فهو من أراد لهم الهزيمة من خلال إيهامهم واستدراجهم نحو السقوط في الهاوية.
استخدام الكاتب لثنائية (الظلام-الضوء) أتى أكله من خلال ثيمة رصينة يمثل الجانب الأكبر منها الواقع الحاضر.
العنونة ساهمت كثيراً في النهوض بالنص ورفع القيمة الفنية له.
مبارك للكاتب هيثم زيتون.
5- النص الفائز بالمركز الثالث وهو للكاتبة رندا المهر:
رويبضة
من وراء ستار، خرجت الراقصة...
ما أن صفق شاب من بين المقاعد طربا، مد السوط ألسنته حول عنقه، نطقت تتمايل: أيتها الفضيلة ما أنت إلا كلمة.
……………………………………………………………………………
الرويبضة كما جاء في الحديث النبوي الشريف هو (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)
ومن الغريب أن تتحدث الراقصة عن معنى الفضيلة، ولكن جاء حديثها هنا إشارة الى أن الفضيلة لم تعد سوى لفظ يجري على الألسن فقط وليس له وجود على أرض الواقع... وهناك إشارة ضمنية إلى أن العقاب (السوط) فقط يطول الشباب إذا انحرفوا وهم بالأصل لم يتلقوا التربية اللازمة التي تغذي عقولهم بالفضيلة، وهذا هو بالذات ما يفعله الرويبضة والجاهل بأمور الناس... نجد في قولها (من بين المقاعد) زيادة واضحة وإطالة لا وجوب لها، وكذا في قولها (تتمايل) فهذا واضح لدينا بالأصل من فعل الرقص.
مبارك للكاتبة رندا المهر.
6- النص الفائز بالمركز الرابع هو للكاتبة فوزية الكوراني:
العنقاء
بين كرٍ وفرٍ أنجبت عشرة...
عندما استأصلوا رحمها في الحادي عشر؛ جلست إلى جانب أختها هيروشيما.
……………………………………………………………………………
العنقاء أو طائر الفينيق مخلوق اسطوري ورد في حكايات ألف ليلة وليلة ومغامرات السندباد، وكذا في الأساطير الفارسية، يقال انه يحترق ومن رماده يولد عنقاء جديدة.
في الحقيقة أمر العشرة والأحد عشر قد يكون غامضاً نوعاً ما، إلا ان الكاتبة ربما تشير إلى الدول أو المدن التي تم تدميرها بالقنابل من قبل القوى العظمى وعادت لتولد من رمادها ثانية حتى قطع دابرها تماماً لتنضم الى هيروشيما المدينة اليابانية التي قصفتها الولايات المتحدة بالقنبلة الذرية في العام 1945 وكما حدث مع عدد من دول العالم التي دمرت عشرات المرات عبر التاريخ.
تناول جميل جداً لثيمة الحرب... ولا زيادات تذكر.
مبارك للكاتبة فوزية الكوراني.
7- النص الفائز بالمركز الرابع وهو للكاتب صلاح الأسعد:
بِرّ
أتخموا فؤادَه بهمومهم، تبرعمتْ، طالت أغصانُها، أزهرتْ، طالبوهُ بالثّمر.
……………………………………………………………………………
العنونة جاءت على نحو ازدراء الفعل والفاعل... وقد تشمل الثيمة المربي للأبناء والسياسي للشعوب... الأب يتحمل أعباء العائلة ومشاكلها ومطلوب منه إيجاد الحلول على الدوام وكذا في البلاد التي تعاني من مشاكل سياسية واقتصادية... الملاحظ والغريب استخدام الكاتب لخمسة أفعال ماضية في سطر واحد، وان شرح هذا النمو في حقيقة الأمر هو إطالة لا خير فيها رغم قصر النص... وهنا دليل قطعي على أن القصر في الجمل لا يعتد به في الققج، وانما يجب ان يسبق ذلك تكثيف حقيقي للثيمة... بمعنى (تبرعمت، طالت أغصانها، أزهرت) هي جمل ثلاث برغم قصرها الشديد دارت في فلك واحد وأمكن اختزالها.
مبارك للكاتب صلاح الأسعد.
========================================
أخيرا ابارك مرة أخرى لجميع الفائزين وأتمنى لهم دوام الابداع، واتقدم بوافر الشكر والتقدير للصديق الأستاذ الدكتور زهير سعود مشرفا، وللصديقة المبدعة سارة اسكية لإدارتها المسابقة بكل حرفية، وللجنة الحكم الموقرة.

