-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة الأديب الناقد د. زهيز سعود في نصّ الكاتب نضال جلجوقة:


 

قراءة الأديب الناقد د. زهيز سعود في نصّ الكاتب نضال جلجوقة:

/ رمادي
بزغ الضوء ساطعاً..
عكسه الأبيض، امتصه الأسود.
فرّت الألوان باحثة عن انتماء.../.

حوى النصّ تكاملاً فريداً وتناسقاً بديعاً بين وظيفة العنوان والسرد المختوم بدهشة الصدمة. والرمادي لون من الألوان لا يماثل بصورته الألوان الأخرى، فصورتها تثبت تميّزها في حين يبقى هو غائماً كدراً، لكن السارد جعله دليل حركة كل الألوان، عدا اللونين المتضادين /الأسود والأبيض/ وهما أثبتا حضورهما في النصّ، لإن لهما الفعل الجامح والأثر الناتج عن تناقضهما في تمييع صورة بقية الألوان، لكي يناسب تلك الألوان مجتمعة اللون الرمادي، وهو لونٌ جعله الكاتب دليلاً ومفتاحاً لتأويلات النصّ، فالألوان الباحثة عن فعل لها غطّاه السارد بالرمادية، رمز بهتان الموقف وضياع الانتماء وغياب الأثر (ترسيخ أول للرمادية).
تمثّل وقائع الحياة صراعاً مفتعلاً بين حقيقتين راسختين:/الأبيض، الأسود/، /الخير، الشرّ/ تملك إحداهما القدرة على امتصاص الحقائق المظهرية والتي عدّدت أشكالها في ألوان الطيف التي امتصّها الأبيض رمز السلام والسكينة، وهو تمثيل لوني لأغلب الفئات التي تسعى لحياة كريمة خيّرة، يناقض ذلك دعاة الخبث والشيطنة والاستعباد والاستبداد في مضمرات الأسود رمز الظلامة والظلام.
الحياة صراع بين عاكس النور /الأبيض/ وممتصّه /الأسود/ لينتفع منه وحده ويمنعه عن غيره. والحصيلة رمادية ناتجة عن تقابل الأبيض بالأسود، فالنتيجة لاغلبة واضحة فيها، والأثر رماد الحرائق (ترسيخ ثانٍ للرمادية)...
_تطبيق١: ختم جاك لندن روايته: العقب الحديدية، بهزيمة التجمعات البشرية والنيران التي تولع في كل الأمكنة، وبقاء حفنة من الناجين الحثالة، وبضع أوراق كتب أحدهم فيها الرواية وحال العالم في عام /٢٠٢٢؟..
_تطبيق ٢: في رواية قايين للبرتغالي ساراماغو يعرض للسجال الدائر بين قايين والسيّد الذي تفشل خططه في الإصلاح وتصبح مثار سخرية قايين..
_تطبيق ٣: في بيانه حذر ماركس من فشل البروليتاريا فتذهب المجتمعات إلى الهاوية، وما يلوح بالأفق العدمية والفناء.
*تأويل ساذج: الأسود والأبيض ألوان أثبتت وجودها وبقية الألوان وجدت ضالتها بالرمادي فهو حاصل دمج اللونين. والكلمة للقوى التي خرجت عن دائرة الصراعات المفتعلة واستفادت من خصائص وصفات القوى المتصارعة.
*ملاحظات في التأويل:
_ النصّ القصصي القصير جداً تشكيل سردي يفتح برمزيته للمتلقي أفق انتظاره، ويظهر لنا استعداد القارئ للتلقي الوامض وإظهار ثقافته الخاصّة في النصّ، وهو بذلك لا يأبه بمقاصد الكاتب دون تجنّي ليصبح القارئ كاتباً للنصّ، وهذا ما دأبت عليه المدرسة التأويلية وأهم أقطابها بارت وجينيت.
_ كاتب النصّ القصصي القصير جداً الذي يطلب من القارئ مراميه الخاصّة هو لا يكتب نصّاً وامضاً بل ما ندعوه ب"الحزازير".
_ عدم مقدرة القارئ على منح النصّ بعداً تأويلياً مناسباً لا يلغي النصّ ولا يلغي القارئ.
_ القصّة القصيرة جدّاً وليدة ثورة القرن العشرين للأدب، ومعها تبدّلت آليات الكتابة والتلقّي، والبادئ في التعامل مع هذا الفنّ مطالب بقراءة خصائص أدب ما بعد الحداثة والابتعاد عن الأساليب الكلاسيكية للتعاملات مع السرد.
محبتي للكاتب والقارئ، وأرجو أن تكون القراءة نموذجاً تطبيقياً لفهم بعض نماذج فن القصّة القصيرة جداً والمتسمة برمزية عالية.
* مقولة مهمّة في الدلالات اللونية للكاتب الصديق محمد جهاد إسماعيل:
"تعتبر الألوان إحدى العناصر المهمة التي يتكون منها بناء العمل الأدبي، وتعد كذلك واحدة من الأدوات التي يستخدمها الناقد في نقده وتحليله للنصوص. حتى القارئ المتذوق، يكون طيلة عملية القراءة شغوفا ومتشوقا لرؤية الألوان، وهي تتبدى أمامه في النص.
للألوان قيمتها العالية في مجال الأدب، ولم تأت هذه القيمة من فراغ، فالألوان ممتلئة بشحنات لا متناهية من الدلالات، والرموز، والإشارات، والإيحاءات التي ينشدها كلا من الناقد والقارئ العادي.
لذلك تلقى (لونية الأدب) أو تجليات الألوان في الأدب اهتماما واسعا لدى باحثي علم الرموز والسيميولوجيا المهتمين بالتحليل الأدبي.
عدا عن النقد الأدبي وعلوم الرموز والإشارات، فإن ثمة علوم أخرى تهتم بدراسة لونية الأدب، علم النفس مثلا يهتم كثيرا بهذه المسألة، فوفقا لمعطيات الألوان داخل النص الأدبي، يستطيع علم النفس أن يفسر لنا الحالة النفسية والشعورية للمؤلف أو للشخصيات. علم الأنثروبولوجيا الثقافية يهتم هو الآخر بلونية الأدب، فباحثو هذا العلم يضطلعون بدراسة علاقة الألوان الواردة في النص بالفهم الثقافي والشعبي والفولكلوري لهذه الألوان.
تتبدى لنا الألوان في النص الأدبي عبر طريقتين اثنتين، إما تصريحا أو تلميحا. الأولى كأن يقول النص حرفيا (وردة صفراء)، والثانية كأن يقول(ريح ترابية)، فنفهم أنها (ريح صفراء) بحكم أنها ترابية.
بطبيعة الحال كل لون له دلالته الخاصة التي تفرقه عن غيره من الألوان، كما وتختلف دلالة الألوان عموما من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن شعب لآخر، تبعا للإختلاف الحضاري، والثقافي، والبيئي، والقومي، والديني، واختلاف العادات والتقاليد.
لكن رغم الإختلاف الثقافي الواسع حول فهم الألوان ودلالاتها، إلا أن كثيرا من البشر ينظرون للسواد، على أنه لون القتامة والحداد، والبياض على أنه لون الصفاء والنقاء والعذرية، والأحمر لون الصخب والحب والحرب، والأخضر لون الخصب والوفرة والحيوية، والأصفر لون الشحوب والذبول والجنون، والأزرق لون الهدوء والتصوف والخيال، والبني لون الأناقة، والوردي لون الأنوثة، والأرجواني والفيروزي لوني البذخ والثراء".

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية