-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الظاهر والباطن في النص الاجتماعي قراءة الناقدة الأديبة كنانة عيسى في نص: موجة واحدة / لـ صديقة علي

 


الظاهر والباطن في النص الاجتماعي

قراءة  كنانة عيسى في نص: موجة واحدة / لـ صديقة علي

 

لا يمكن لنص امتاز بسلاسته وتركيبته البنوية المتقنة إلا أن يجر الكاتب إلى بؤرة الاستهداف، القارئ هنا متورط كلية في  نظرة الكاتبة الشمولية التي صنعت مكونًا فكريًا جديدًا من مشاهد متصلة شيقة، ولهذا فإن كل قارئ مطالب بكفاءته الخاصة ومرجعياته الثقافية والوجدانية أن يربط الاستهلال بفارقه الزمني  بتقنية (الفلاشباك) بالقصة التالية(الحكاية) التي تضمنت الحدث وإسقاطاته وملامح شخصياته السردية.

هو صندوق عجيب... يربط العائله الواحدة، يربط المجتمع الصغير ثم يربط هموم حقبة تاريخية وزمنية ، نعانيها نحن،أبناء هذه المجتمعات المسحوقة بمرارة الخيبات والهزائم عبر تاريخها ،و ما الموجة الواحدة إلا رمزية شديدة الذكاء أرادت بها الكاتبة  أن تطلق خطابًا بديهيًا نفترض وضوحه وومصداقيته لكنه فخ جميل تنكر على شكل قالب ثقافي فعلي ومؤثر لأنه  لا يعمم ثقافة مرحلة كما هو في الظاهر إنما يعزز فكرة قولبة العقول تحت سيطرة الإعلام بين واقع محسوس يعيشه البسطاء وبين العالم الفكري الموثوقي و لذلك فأننا نقرأ السرد بمتعة محببة لأنه ناشئ عن العالم الخارجي مباشرة (هنا دمشق....) حتى ولو كان زمنيا متأخر بعقود عن واقعنا لكنه في الحقيقة تجربة فكرية تخرجنا  من سيطرته الجميلة إلى فكرة سائدة واحدة وهي أن الموجة الواحدة هي لعنة هيمنة وسائط الإعلام على سياسة القطيع، وما الرأي العام أحيانا إلا كذبة كبيرة قد تنطلي تحت جناحها حقائق مغيبة،مثل غسل الأدمغة والعولمة السياسية أو وجهات نظر غير واقعية تدمغ جيلا  بأكمله ببصمة  ثقافية وإشكالية معقدة.

كما قال الحفيد في نهاية النص

 

أذكّرك مرة أخرى ها هو العالم كّله بين يديك، لن تبقى أسيرا لموجة واحدة كعادتك

نص مليء بالمفارقات والدلالات الباطنية ،انتصب في ذاكرة الرجل العجوز، ليحكي لنا قصة شعب... ننتمي إليه وما زلنا نلوك نقائضه وهزائمه.

كنانة عيسى سوريا

 موجة واحدة 

بحماس شديد راح حفيدي يلقّنني دروسا في غاية التعقيد عن كيفية استخدام الهاتف النقاّل الذكي، الذي يوصلني بأعمامه في غربتهم، وهو الّذي يعلم مدى عشقي للمذياع يخبرني بفرح ومحبة مشرقة:

-أجدي، سأنزل (تطبيقا) يحضر العالم بأسره إليك، كرر اسم التطبيق مرارا، وأنا أغيب عن صوته

شيئا فشيئا غائصا في الذكرى.

كنا نتلهف لوصول عمّي إليّنا، إذ أخبرتنا جدّتي أنّه أصبح في بيتها. كان لحديثه الممتع أجنحة يمتطيها خيالي ويحلّق عاليا فوق بلاد جابها عمي لسنوات ليعود إلينا محمّلا بالحكايات الغريبة التي كانت تنقذنا من أحاديث الرجال الرتيبة المكررة كل مساء، كما يعود بهدايا كانت مصدرا للتباهي بها أمام أترابي في القرية، أقلام ملوّنة حذاء جلديّ، طاقية نقش عليها أحرف أجنبية، حتى في مجالس الكبار التي كنا نتسلل إليها، كان هو المتحدث الأبرع، حيث الجمع مشدود إليه يحكي لهم عن شوارع نظيفة وبنايات شاهقة ونساء شقراوات.

هذه الأوبة له لم تكن كسابقاتها فقد شكّلت في حياتنا قفزة فائقة الدهشة واسعة الطيف في الخيال، فلقد أحضر لنا صندوقا صغيرا أسماه المذياع الذي طال احتفاؤنا به لحدّ حرماننا من حكايات عمّي ومن ابتسامته، إذ شغل بتعليمنا تبديل البطاريات، وغادرنا قبل أن يكمل الشرح إذ سمع صوت جدّتي تستقدمه كي يستقبل ضيوفه.

ألقانا عمي ببحر الحيرة، وسافر على عجل دون أن يجيبنا عن أسئلة كثيرة، وكان أبي فخورا بدعوة رجال القرية ليتحلقوا حول المذياع صامتين مبهورين فالمتحدث الوحيد كان هو والمذيع أو المذيعة الجميلة الشقراء ذات الصوت الدافئ.

كنا نلتفّ حول أبي وهو يدير المفتاح اليمينيّ فنسمع نقرته إذ يتحرر من حبسه فيصدر صوتا محيّرا: (إذاعة البي بي سي من لندن) أتساءل كيف يتسع هذا الصندوق الصّغير لرجل وآلات موسيقيّة وضيوف كثر لا تتسع مضافتنا لهم؟ أيعقل أنهم قد عبّؤوا أصواتهم بهذه البطاريات التي يتأملها أبي كل ليلة بانتظار أن تنفد الأصوات منها ويسكت المذياع كي يستبدلها؟  والمفتاح الآخر؟ ما دوره بما نسمعه؟ وأستغرب كيف أبي لا يلمسه، وكنت قد التقطت من عمي أنه لتغيير الموجة أو المحطة لكن كانت سنواتي السبع أقل من مستوى الجرأة بإبداء الرأي.

بقينا أشهر عدة ونحن نستمع لرجل يعلن كلّ صباح (هنا لندن). هجرت وأخوتي اللعب في الطرقات، وبتنا ننتظر والدي كي يصلنا بلندن التي كنت أزورها بالحلم كل ليلة، وبقيت طويلا مقتنعا بأن أهلها يتكلمون العربية مثلنا.

كان أبي يمنع علينا أن نلمس كنزه، هو فقط من يحق له أن يدير مفتاح مغارته، وكل صباح يلقي بتعليماته الصارمة على أمي قبيل انطلاقه إلى الحقل:

- إيّاك أن تغفل عينك عنه كيلا يعبث هؤلاء الشياطين به

وما أن يغيب حتى أسمعها تتمتم:

- والله ما شيطان غير هذه البلوة... وترمق المذياع بغضب مستتر وهو الذي أقلق راحتها وعطّلها عن أعمالها وبسخطها المعهود تكمل:

-على آخر الزمن صرت حارسة لهذا السّعدان،  وهي التي كانت ما أن تسمعه حتى تتعوذ وتبسمل.

كنا نتناول فطورنا نجلس تربعا حول طبق موضوع على طاولة منخفضة جدا فوق سجادة أرضية وصوت المذيع يشاركنا طعامنا وهواء غرفتنا، وبغفلة منا حبا أخي الصغير كالسّهم وتشبّثت يده الصغيرة بالمفتاح اليساريّ، كنت أرمقه بفرح ضمني وهو يكسر الحاجز الممنوع ويشبع فضولي، وبلا خوف أدار المفتاح، فتلاشى الصوت الذي اعتدناه، وأنطلق تشويشا قويّا مزعجا جدا ومخيفا ما جعل أبي يستشيط غضبا ويصرخ في وجه أمّي:

- ارتحت الآن؟  تعطّل الراديو.

هزت أمّي رأسها بشدة كأنها تسقط عنه تهمة الارتياح.

احتقن وجهه، دفع بالصغير مبعدا إيّاه عن المذياع، التفت إلينا كي ننال حصتنا من التعنيف، وقبل أن نثب من دهشتنا، أغارت يد أخي الصغير على المفتاح مرة أخرى، فذهب التشويش، وسمعنا صوتا نقيّا يعلن:

هنا دمشق ...

ارتبك أبي وهو يحدّق في المذياع، وجحظت عيناه، ابتسم بدهشة لم يستطع إخفاءها، وراح بيده المرتجفة وبحذر شديد يقّلّد ما فعل صغيره، فتنسكب الأغاني تترى والبرامج ونشرات الأخبار.

عند المساء كان يزفّ اكتشافه لأصحابه مختالا:

اسمعوا، دمشق صارت في بيتنا، ينقل نظراته اللامعة بين المذياع ووجوههم، ويهز رأسه بعزم متابعا إدارة المفتاح بثقة: والقاهرة... وبغداد... والقدس وعمان و... و... و...

انتشلتني يد حفيدي وهي تهزّ ذقني ووجهه الباسم يشع حيويّة وهو يهمس لي:

- أجدي، أجدي... أين شردت؟ أذكّرك مرة أخرى ها هو العالم كّله بين يديك، لن تبقى أسيرا لموجة واحدة كعادتك اه.

صديقة علي 4/1/ 2021 سوريا 

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية