القارب كانت الريح تهب من ناحية الشمال، باردة كعادتها في هذاالوقت من السنة، و مع هبوبها تحمل رذاذا خفيفا من المطر ، و بدونا منكمشين على أنفسنا كعصافير الثلج. قلت لنفسي: إن هذه الصالة الكبيرة المفتوحة من جهتين ليست إلا ثلاجة لحفظنا: بوجوهنا المتشنجة، و أصابع أقدامنا الخدرة، و ارتجافات أكتافنا و إن أصوات المطارق الكبيرة المنهالة على الهياكل الحديدية العملاقة تصلح تعبيرا مناسبا لاحتجاج الرجال على فظاعة الطقس . من مكاني رمقت غرفة مكتبي في الجانب الآخر من الساحة الأسفلتية، كَرُكْن دافئ تنتظرني فيه ( مي ) لأغازلها، و أشبع غرورها عندما يحين موعد الاستراحة و كنت أسمعها تناديني مثل حورية تسكن جزيرة قصب، تشعر بالملل و الوحدة، و لا تعرف من الحياة غير زرقة الماء و شروق الشمس. و رغم قراري القديم بنسيانها، لكن الصورة المحفوظة في جيب سترتي الأيسر، فوق قلبي تماما، تطرق منذ الصباح حتى انتهاء العمل، فتوهمتُ أن قلبي هو الذي يدق فقط، و كل ما عدا ذلك ليس إلا تخيلات عاشق فاشل، أخطأ كثيرا عندما أحب امرأة لا تنتمي إلى عالمه، ولا يملك قاربا ليعبر إليها، ثم قرر أن يعاقب نفسه بالنفي إلى هذا الجحيم. لم يثنني البرد عن إجراء المراجعة اليومية ذاتها و كانت أسناني تصطك مع خليط المشاهد الجميلة، و اللقاءات المنتهية بخيبات الأمل، و الشعور العميق بالإحباط. فجأة صرخ أحد العمال ليوقظني من حلمي المتجمد: _ انظروا إليه يخطو متثاقلا، يظن نفسه يمشي في قيظ الصيف. كان جاسم قد علم بدخول موعد الاستراحة، و مضى ليعدّ الشاي. في كل مرة تنبهه ساعة لا يحملها في يده، ولم يحدث أبدا أن خذلته! قال لي ذات مرة: إنه يحسب الوقت بمهارة، بعدما أمضى في شركة الطرق السريعة ثلاثة عقود، وعندما يتقاعد سيصلح ساعته ! و قد احتاج وقتا طويلا ليقنع المهندس الانكليزي بجدارته. يومها، ربتَ على كتفه و خاطبه بلهجة تجمع إعجاب التلميذ بتعالي المعلم: _ ( سترونغ مان ) ! حدث هذا عندما صارع وحشا هاجمهم أثناء العمل . . . رحلَ المهندس الانكليزي، و ربما مات الآن، و ظلت هذه الجملة، يرددها الرجال عندما يعجبون بأداء أحدهم و كلما التحق بهم شاب جديد قُصَتْ أمامه الحكاية. . . . . . . . . . . . . . . أخذت مكاني خلف الطاولة منتظرا الشاي الأسود شديد الحلاوة، و لمحتُ ابتسامته الخفيّة عندما قَلَبتُ الصورة على وجهها، ليهزّ رأسه بتعجب و يخرج. في اليوم الأول لمجيئي سألني: _ هي حبيبتك أليس كذلك ؟ أومأتُ فقط برأسي. كنت أنظر إليه بإجلال، و شعرت لحظتها بأني لست رئيسه في العمل. _ سأحضر لكما في المرة القادمة كوبين. و أضاف مستذكرا مشهدا قديما مَرّ أمامنا: _ لطالما فعلت هذا. عندما أنفرد بذكرى حبيبتي أدعوها للشاي على بعد المسافة بيننا، و أسمع موافقتها بهمس مبحوح، و أرى خدّيها المتوردين بفرح. صمتَ ينتظر تعقيبا منّي، ثم أضاف متعجبا، و هو يقف على عتبة الباب، و بجثته الهزيلة حجب النور: _ أيّ جيل عاشق أنتم! كذلك فعل اليوم: وضع الكوببن الساخنين، ثم مشى بضع خطوات كراعٍ يحدو الجمال لكنه كان مشغولا. لقد فهمته . فوضعت كفي اليسرى على الصورة المقلوبة، و رفعت نظري إليه. لا أعرف لمَ يحب أن يختزن الفكرة في ذهابه نحو الباب، و داخل الإطار تماما وقف. كانت الغيوم قد تكشفت، و ازدادت سرعة الريح، و شمس كانون الثاني بالكاد تذكّرنا بنفسها، و أخذ خياله يذوب في العتمة المقبلة بصمت، فلم يبق في الغرفة ما يشي بالحياة غير صوته الأجش، الذي ناقض هزالته بشكل فج : _ لقد عرفت الكثيرين من المهزومين . . . أنا لا أشفق عليهم . . . . . . . . بل أحتقرهم. لمَ أقول لك ذلك الآن؟ . . . . . بالفعل لا أدري! أنت لست منهم بالتأكيد، و لذلك أحدثك. الهزيمة يابن أخي كابوس: إما أن يأسرك حتى نهايته فتستيقظ منه هلعا، ثم تبقى كل عمرك بداخله أو تستخف به و تصارعه لتخرج بمحض ارادتك. هكذا فقط تقلع الكوابيس عن دخول رأسك. توقفَ عن الكلام، و نظر خلفه منتبها أنه يحجب الضوء عنّي، فتقدم بضع خطوات حتى توسط الغرفة، و أكمل حديثه : _ عندما أحاق بنا القحط، و خفنا على أنفسنا من الموت، طفقنا أنا و الشباب أقراني نبحث عن عمل. أيّ عمل يسد الرمق. مشينا لأيام حتى أحضرتنا أقدامنا إلى هنا، و في الطريق كنت ألوم نفسي على المجيء معهم: (مالذي يمكن أن يفعله لهم رجل هزيل، ضعيف البنية مثلي؟ ). ليلتها، نمنا على باب الشركة، ولا أعرف كيف استطعنا أن نغفو بجوعنا، لكن التعب قتلنا. نعم، لم ننم لقد متنا! في الصباح، سمحوا لنا بالدخول. كان الجو حارا ككلّ أيام تموز. و بانتظارنا، جلس رجل لا يتكلم العربية، خلف طاولةٍ من خشب، هناك، في منتصف الساحة تماما. وقفتُ في آخر الصف، ربما سعيت بذلك لتأجيل رفضي ( عندما نكون واثقين من الخيبة في نهاية الطريق، نقعد نتوقعها، و نصطنع الذهول عنها ) وحين جاء دوري كانت الشمس قد استقرتْ في منتصف السماء، و بحثتُ عن خيالي فوجدته مختبئا تحت نعلي. تقدمتُ نحو الطاولة بتردد حتى صرت ملاصقا لها. رفع بصره، و صار يتفحصني، وضع النظارة على دفتره، و أبعد القلم، و كان يمسح عرقه بتأفف، و قد احمرت وجنتاه من شدة الحر. برغم انشغالي لحظتها بالدعاء لكن رغبة جامحة بالقهقهة استولت عليّ، كان نداؤها أقوى من معدتي الفارغة. ظلّ الرجل الأحمر يقلّب نظره بيني، و بين المنديل، و القلم، و النظارة حتى اتخذ قراره بالموافقة، و هرب إلى الغرفة المكيّفة. لقد بقيتْ لزمن أذكّره بقراره المتسرع حين وافق عليّ، و أجزم أنه لعن كثيرا صيفَنا عندما شوّش فكره في تلك المقابلة فصرت أتجنب الوقوف بجانب الرجال العمالقة، كلما دخل ليتفقد عملنا. حتى جاء ذلك اليوم: عندما ذهبنا لنشق طريقا في ( آخر الدنيا )! لا تستغرب . . . هكذا تندّرنا بتسميته كان مقفرا خاليا من الحياة. بدا لي أن أحدا لم يطرقه قبلنا، حتى القمر لم يظهر مرة طوال شهور، و السماء في الليل: كانت فاحمة لا ترى فيها غير نجمة قبيحة، بالكاد تعلو الأفق، تنظر إلينا باستياء و تستهجن وجودنا. لم يكن يتخلل السكون المخيف إلا صراخ يتناهى من بعيد قدّرت نبرته: تطلب منّا الرحيل، و كلما تقدمنا زادت قوته و اشتد غضبه. صمتَ قليلا ليضحك و مرة أخرى أثارت قهقهته السكون في قاع الغرفة، فتخيلته راجعا لتوه من هناك. ثم تابع ضاحكا: _ لقد أجبَرَنا على النوم بعد الغروب متلاصقين من الرعب. ظننّا النهار بنوره يكفي ليمنحنا الأمان و كنا مخطئين. هكذا، ظهر فجأة بيننا! لا أعرف كيف خرج من غبار العربات،فتسمرتُ مكاني. و كان بدني يستشعر هروب الآخرين. حتى الرجل الأحمر: رأيته بعينٍ ما، يختبئ خلف صخرة كبيرة، و يرتجف من الخوف. كان شيئا لا أجيد وصفه: يجمع كل صفات البشر الحيوانية لكنه لم يكن إنسانا. لقد وقف قبالتي و التقتْ عيوننا. لا تعرف شعور الرجل حين يقترب منه الموت ببطء. إن كل ما تفعله يصدر دون إرادة منك لكنه يعبر عن جوهرك بصورة ما. نحن نواجه الموت بشكلنا الحقيقي لأننا نكون منشغلين عن التجّمل في تلك اللحظة. قالوا لي فيما بعد: إنني صارعته رجلا لرجل و لا أذكر شيئا من ذلك، لكنني أتذكر جيدا : كيف تجنبت فكه و نهشت رقبته بأسناني، و ما زال طعم دمه في حلقي وكذلك رائحة عرقه كرجل يصارع مثلي للبقاء. لقد قتلته و لست حاقدا عليه فقط انتزعت حقي، و لو أتيح له، لفعل الشيء ذاته. لذلك صرختُ على العمال بغضب، و دمه يسيل من شفتي، و يقطر من ذقني حينما ركلوه بأرجلهم بعدما فارق الحياة. كنت أدافع عن وجهة نظره، لأني فهمته خلال صراعنا القصير. توقف عن الكلام ليلتقط أنفاسه ثم أضاف: _ لو تعرف كم أحترم الحياة، أجدها واعية. ربما ليست عادلة، لكنها تمنح معركة، قد تكون الأخيرة و لا يجب أن تضيع. هكذا تحوّلت نظرة الرجل الأحمر إليّ بتأثير تلك القصة حتى صرتُ صديقه المقرّب، وجبتُ معه نصف العالم: في الصحاري المقفرة، و الغابات، و الأنهار المتجمدة . . . . رأينا أقزاما، و عمالقة، ينابيع تتفجر أعالي الجبال،أنهارا من نار تسيل من جوف الأرض و تحرق ما يعترض طريقها، شهبا و نيازك تحيل الليل نهارا . . . . . و بلغ بي الزهو أوجه حين وقفت بجانب وتد مغروس في الثلج، عرفتُ منهم أنها أعلى نقطة في الدنيا ! لقد نحتُّ قاربي بيديّ، و جذفتُ به من نهاية العالم، و لولا تلك المعركة لبقيتُ مثلك جالسا على الضفة الأخرى أتسلى بالرسم على الرمال، و أرنو بيأس إلى جزيرة القصب.عندما توقف عن الكلام كانت العتمة قد لفّتنا، فلم أعد أعي غير وقع خطواته، و لما صار فوق العتبة، أشعل النور، فرأيته يغادر الغرفة. تمت صقر المحمود