القراءة
تقدم لنا أديبتنا المبدعة نصًا على شكل إذهال لا خروج منه، وتناصًا عذبًا مع ذاكرتنا الموروثة وسردًا ارتقى
بفلسفته فصلب قراءه في أربع زوايا ناصعة.:
تقنية الربط بين الحاضر والماضي - ملحمة
الرمز،-و البطولة الهجينة -تداخلُ الروابط بين الحاضر والماضي
بدأت الكاتبة المبدعة الاستهلال بمنظر
وداع مألوف للبيئة المكانية، ريف يتباهى بحقول القمح، ترافقه أناشيد بدائية عن بطل
ملحمي، لينبثق صوت الأم المتوفاة معلنا صلة أخلاقية بين جيلين حيث يبدأ زمن القص
بحكاية نخوة نادرة تنقذ امرأة من اغتصاب كاد يفتك بها. وتغلق الدائرة بإضاءة الحدث
وتفرعاته الرمزية لتنتهي القصة
بهروب بطل آخر سيعيش ملحمته بعيدًا عن
واقع حياته. المر.
ملحمة الرمز
أبدعت الكاتبة في ربط الرموز في نسيج
السرد المتقن
فلدينا آدم البطل، أب البشر، الذي يمثل
نقاء السريرة والنبوة والاكتمال والشجاعة المطلقة، ولدينا آدم الهارب المشبع
بحكايا الماضي وبالحقائق الموجعة وبالواقع المغلق الذي سيخلق ملحمته في رحم بعيد
لينقذ نفسه. ولدينا الغريب ومصنعه رمز الفساد السلطوي وسيطرة النخبة الرأسمالية
والإقطاعية الخالية من الأخلاق وجوهرها
هي مسألة وطن يحتضر ببطء أمام سطوة
السلطة الفاسدة التي لا مهرب منها.
البطولة الهجينة
الاسم واحد يفتح دائرةً أسطوريةً ببطل
نادر تغتاله يد الغدر لأنه يمثل شجاعة جيل رافض للفساد بكل أشكاله، ونتذكر
بالمواييل كل أناشيد العظماء التي حفظناها عن ظهر قلب، مثل سلطان باشا الأطرش،
ويوسف العظمة وإبراهيم هنانو
أبطال قضوا فداء ثورة و وطن و فكر وخلدت أسمائهم في ألحان خالدة لا تموت. هوية صوتية ستبقى حتى حين
يغلق أبطال الأجيال القادمة على أحلامهم
حقائبهم بحثًا عن حلم مستحيل. في النهاية
لا نرى إلا رؤية تعبوية قاتمة ،هدفت لشحذ
وعي المتلقي لمستقبل قادم إن غاب وعي الأجيال القادمة بالتغيير.
لا هروب لنا من نص متقن كالذي أبدعته
كاتبتنا المذهلة
سنتذكر دائما ملامح الأبطال المجهولين
الذين تركوا رفاتهم في أراض نبيلة ستقهر طغاتها
في كل زمان ومكان، عاجلًا أم آجلًا، بالأغاني وخصوبة الاحتمالات والبحث عن
الحقيقة. وحتى بالهروب بحثًا عن حياةٍ
إنسانيةٍ حلمًا بالعودة.
كنانة عيسى
القصة :
مواويل آدم
لفحتني نسائم الوادي، المحملة بما
تردده الجبال من صدى أصوات رفاقي، وهم ينشدون:
حني... حني يا كمشة التراب
عا صدر البطل إللي مفارق الحباب
أمي يا أمي قومي اطلعي ع الباب
وودعي آدم زينة الشباب
جلست على صخرة أشيع قريتي، التي اقتلعت
منها للتو، وأتأمل بيوتها الغارقة في وادي البؤس، المتكئة على ويلاتها، راح نظري يسبح بأسى على الدرب
المتعرجة، التي انتهيت منها قبل قليل .
استقرّ نظري على بيتنا المغلق، بدا من
عل ٍكأنه حبة عدس ،أبخرة المصنع تشوش الرؤية، تغطي البيدر بكامله. رحت أستذكر أمي،
علّي أشفى تماما من الذكريات. صوتها في أذني ..يوخز الوجع في قلبي.
قالت لي قبيل رحيلها :
(هم لا يغنون لك يابني، بل لآدم الأسطورة..عندما خلع آدم سترته أشاح
بنظره عن عريي، فارتديتها بلهفة، وكادت أن
تغطيني حتى الكاحل ..كان الملثم قد نال من ثيابي ومن كتفي بأنيابه البغيضة فتبقعت
السترة بدمي ...وكان سلاحي الوحيد أمام رقة جسدي هو صراخ يهز الجبال من حولي، أغاثني
آدم دون أن أصرخ باسمه، سمعني لقرب مسكنه
إلى أرض البيدر، فهرع إليّ قبل أن يمزقني
ذلك الوحش ..لم يتطلب الأمر من آدم
سوى أصابع كالكلّاب قوية تمسكه برقبته وترميه كقطعة خشب مهترئة ...ثم يعاجل رأسه بالرفش.
آنذاه كانت قريتنا تفتقد لبندقية واحدة.
كل هذا والقرية غافلة عما حدث إلى أن لملمني آدم بعطف لا مثيل له وحملني إلى مشارف
القرية.
كانت رائحته مزيجا من أشجار الغار
..وسنابل القمح ...والتراب المشمس
حدث ذلك بعد وصول السيد الغريب إلى
قريتنا بعدة أيام ...الذي كان يتنقل من بيت لبيت يلم الحكايا ومن ضمنهااسطورة آدم
حارس البيدر .
غاب الغريب سارقا حكايانا. ليرسم مصائرنا فيها.
.. كان آدم يحمل الشمس في ظهره يعمل
طوال النهار ، ويحرس البيدر طوال الليل، فغلالنا مكشوفة للسماء.
لا يحتاجه أحد في القرية إلا ويجده
..ينقل الحطب وأكياس القمح، يحمل الجرار عن فتيات القرية ،يركش الحواكير الصغيرة
،يحل محل البغال احيانا في جر دراسة القمح ، بنيته الضخمة ونشاطه جعلنا نعتقد بأنه
لا يتعب، يعمل بصمت وبالمجان ، لكن ماكان يناله من واهتمام أثمن من اجره بكثير،
فكل امراة عائدة بخبزها عن التنور لابد أن تقصد دار آدم الطيني،المشرع الباب، وكل
سلة عنب وتين لابد أن تكون طافحة بحصة آدم، كل جرة حليب ولبن لا بد أن تصل بيته قبل أصحابها.
كنت أشعر بشغفه بي، وكان هذا يرضيني،
ويشعرني بالأمان فآدم يحمل كل الأعباء عني، وكثيرا ما جمعت الحطب فأعجز عن حمله، ليظهر ساعداه المفتولان دون موعد ، يهديني إبتسامة ملؤها
الحنان، من وجه شديد السمرة قاس عصي على السنين.
كان آدم في آخر النهار يستحم بماء
النبع، ويعود لبيته ،ولا يستجيب بعدها لأحد، الليل ملكه، يغني مووايله، وتنام
القرية بأمان على أصداء صوته.
لم نفكر يوما بوالدي آدم ...فهو هكذا،
كطبيعة قريتنا، وجد فقط دون مبررات ..وحيدا بعيدا نائيا
ذات فجر عاصف، استيقظ أهل القرية على
نباح كلابها، قادتهم إلى جثة آدم الضخمة، الممددة على البيدر بدون رأس.
عاشت القرية حداداً طويل الأمد ، واقتصرت
أفراحها على مووايل حزينة..
ومنذ ذلك الوقت، وأرض البيدر تنهشها
الشائعات، كما فعلت بي، حملوني وزر ماحصل،
دون أن يفكروا بما يفعله السيد الغريب، ورجله الملثم لطالما قلت لهم بأن الغريب
عينه على البيدر، لم يصدقونني ، فبتنا نخاف الذهاب الى البيدر، وانقطع القمح عن
حقولنا ،ماتت أفراحنا ،وأغنيات الحصاد .حتى عندما تزوجت من أبيك لم يقيموا لي
عرسا .وكم كانت فرحتي كبيرة عندما رزقت بك
واقترح والدك اسم آدم.
وها هي اللعنة، تحل من جديد بعودة السيد الغريب، لم يجرؤ أحد على سؤاله عن اسمه، تمدد حضوره في القرية، وطغى بماله، أقام حظيرة
للأبقار بعد أن اشترى كل ابقار القرية ، باعنا الحليب، وباعنا طحين أبيض، فبتنا
نخبز من طحين الغريب ،وهانحن المسنون نموت ببطء، من جراء تسمم ماء النبع،ـ لذلك كنت أجمع لك ماء
المطر، مع أنهم قالوا لنا أن السم لا يميت الشباب،بل يمرضهم، ويتعافون ماداموا
ينعمون بالنسيان.
علمت الآن يا ولدي لِمَ أوصيك بالهروب،
فأنت موسوم باسم آدم ،والآن ملاحق باسطورته ...
سرحت أمي بعينيها ، صوب أرض البيدر
الفاقدة لملامحها، و التي كانت تضم رفات آدم ، تهمس بصوت واهن :
حني... حني يا كمشة التراب
بخطواتي المبللة، غادرت صخرتي، وأدرت
ظهري للقرية. متابعا هروبي ..والموال يحاصرني ..أركض نحو سرابي النقي من تلوث قريتي، لأجدني في حضن أكثر اتساخا ،فرحت أسأل
آن صحوتي عن أخبار الموت في الوادي، اجمع المعلومات علّني أصيح من جديد بمواويل
آدم، من فوق صخرتي الشاهدة، علمت بأن
السيد الغريب قد حرّم عليهم الغناء ،و ألبسهم ثيابا من سكوت ،جعلتهم ينتظرون، عند
كل غروب ،ذيفانا يشلّ حناجرهم.. مستخلصا من عرقهم المهدور في معمله ..
..معمله الذي اغتصب لأجله بيدرنا النائي
منتجا فيه ما يقتلنا
صديقة علي 5/4/2020

