#مفاتيح
لدي مشكلة مع الله. أنا أصلي كي تنتهي هذه المشكلة، بيد أن أبي يصر أنه ليس لها حل أبدا!
يقول أبي إن روفي لن يدخل الجنة. لكن روفي كلب طيب. ماذنبه أنه خلق كلبا؟ أنا أحبه وأريده معي هناك. أسائل أمي قبل أن أنام: ماما.. هل سأدخل الجنة؟ تبتسم وتقول إن الأطفال أحباب الله. و إن أحبابه لا بد يدخلون. - - - هل أنا طفل؟
تضحك قائلة:
- ثماني سنوات تعني أنك لازلت طفلا.
أبتسم أخيرا وأغمض عيني وخيالي يسرح في ربوع تلك الجميلة. تقول ماما إنها حدائق وأنهار. نهر من عسل ونهر من لبن. ماما.. أليس ثمة نهر من الشيكولاتة؟ تربت على شعري. تقول في حنان:
- سيكون هناك مادام هذا طلبك.
ابتسمت وقد غمرتني السعادة. أغمضت عيني وذهبت في دنيا الأحلام.
استيقظت في الصباح على دغدغة خفيفة على قدمي. فتحت عيني لأرى روفي يشمشم في أصابعها. روفي! ماذا تفعل يا رجل!
صليت الصبح كما عودني أبي. جلسنا سويا كي نتناول إفطارنا، نظرت إلى أبي وقلت إن ماما أخيرا قد وجدت حلا. ليس علي إلا أن أطلب من الله أن يكون روفي معي في الجنة وينتهي الأمر. نظر إليها أبي في غضب.
اكفهر وجهه. دلفا إلى غرفتهما وتركاني وحيدا. ثمة أصوات لا أميزها، ولكنها زاعقة.انتابني القلق. حتى روفي شعر بالخوف. قفز على حجري وانكمش. فُتح باب الغرفة في عنف. خرج أبي كإعصار يهم بابتلاعي. وجدته يقف أمامي ويلوح بسبابته الطويلة:
- لم تعد صغيرا. أمك دللتك. والآن تعلمك الأشياء الغلط.
أشار إلى روفي، وقال محنقا:
- لا كلاب في الجنة. أتفهم؟
- ولكن بابا..لماذا؟
ازدرد لعابه. تلعثم قليلا. نزل على ركبتيه حتى صارت عيناه في مستوى عيني. قال:
- هو حيوان. والحيوانات لا تدخل الجنة؟
- لم؟
فكر قليلا. هز كتفيه. قال:
- لأنها لا تصلي. فهمت؟
أجبته بالصمت. زفر زفرة، ثم قام ليأخذ المفاتيح، وخرج للعمل.
إذاً أنت لن تدخل الجنة يا روفي لأنك لا تصلي. أتعرف؟ هي غلطتي. كان يجب أن أعلمك الصلاة عندما اقتنيتك منذ شهرين. لا عليك. سأعلمك الآن. أمسكت بروفي وقد استسلم لما أقوم به. جعلته يتوضأ: غسلت يديه ووجهه، ورجليه. مسحت على رأسه وأذنيه. ها نحن جاهزان يا روفي.
أعرف أنك ذكي. فقط كن بجانبي وقلدني.
لما أتي أبي عصرا فاجأته. لم أكن قد أخبرت ماما بما فعلت فقد كانت مشغولة في المطبخ كعادتها. هيا يا روفي كي نصلي العصر. انظر بابا..
كان أداؤه مذهلا! حتى أنا معلمه تفاجأت حقا. كم أنت ذكي يا روفي. لما ركعت ضم يديه ونظر إلى الأرض. لما سجدت وضع جبهته على الأرض. أرأيت يا أبي؟ ها هو روفي يصلي. بيد أنه يهز ذيله كثيرا. سأعلمه ألا يفعلها المرة القادمة. نظرت إلى أبي فوجدت عينيه بركان نار. وجدته يكاد ينفجر في وجهي. صرخ:
- ماذا تفعل يا أحمق!
ازدردت ريقي بصعوبة وقد جف حلقي من الرعب. بابا يبدو كالوحش. ماذا جرى؟ سألته في خفوت:
- روفي يصلي كي يكون معي في الجنة.
انفجر أبي في وجهي:
- غبي!
ركضت ماما نحونا وهي تمسك المغرفة. سألتنا عما جرى وصدرها يعلو ويهبط. أمسكها أبي من معصمها. دلفا إلى الغرفة وأوصد الباب. ثمة أصوات زاعقة. لم أميزها بيد أني سمعت بعض كلمات.. مسكين..وحيد.. لا تقس.. مدلل..
سمعت صوت نحيب أمي.
فُتح الباب في الأخير. وجدت أبي يبدو هادئا. نظر إلى روفي، فركض نحوي وانكمش في حجري،كمن يحاول الاختباء.
- مهما فعلت. لن يدخل روفي الجنة.
كانت صدمة. شعرت وكأن أبي بواب الجنة ويرفض دخول روفي معي. لماذا يا أبي؟ جلس على ركبتيه. نظر إلى عيني. قال:
- حبيبي..روفي مجرد حيوان. هو لا يدرك وجود الله. من يدخل الجنة لا بد يدرك وجود الله.
قالها، ثم أمسك بسلسلة المفاتيح ومضى.
نظرت إلى روفي في حجري. تأملته. فرو بني وناعم، وينسدل على عينيه السوداوين كالفحم. كم أنت صغير يا روفي. أنت ذكي. هل فعلا لا تدرك وجود الله؟ يجب أن تدرك إذاً. حتى تستطيع أن تكون معي في الجنة لا بد أن تدرك. هل تفهمني؟ كفاك هذه النظرة البلهاء. حسنا سأجعلك تدرك. عندما أقول كلمة "الله" عليك أن ترفع يدك اليمنى. نعم هكذا إشارة إلى أنه واحد. ها أنا أرفعها لك. في المرة القادمة ترفعها وحدك. برافو روفي! .. كنت أعرف أنك ذكي.. أنت الآن تدرك! ستدخل الجنة اطمئن. يبدو أن أبي معه المفاتيح. هذه المرة سيوافق أبي بالتأكيد.
لما رجع كانت ابتسامتي واسعة. وجدته يضع المفاتيح ويترقب ما سأقول.
- الله!
رفع روفي يده.
اربد وجه أبي. حمله في كف واحد. أمسك المفاتيح وخرج. دقائق وعاد ولكن بدون روفي. لم أجرؤ أن أسأل. داخل غرفته وأمي كنت أسمع أصواتا زاعقة. كلمات: مجنون..حرام..طفل..غبي.
لا أطيق البقاء. أريد الخروج للبحث عن روفي. نظرت من الشباك وقد شعرت بالاختناق. وجدته! إنه هناك ينظر إلي. شاع في الأرجاء تكبير أذان.
رفع روفي يده اليمنى.
خالد عجماوي

