النزعة الصوفية في شعر "أمين چياد" دراسة بحثية
بقلم/ حسين عجيل الساعدي
(الكون كله شجرة حروف)
"محيي الدين ابن عربي"
558هـ/ 1164م ــ 638هـ/ 1240م
الجزء الاول
ملاحظة:- سوف يتم نشر بعض أجزاء من دراسة بحثية متكاملة عن تجربة الشاعر أمين جياد.
▪︎أستهلال:
في هذه الدراسة البحثية (النزعة الصوفية في شعر الشاعر العراقي "أمين چياد")، محاولة أستجلاء التجربة الشعرية للشاعر "أمين چياد" من خلال تتبع مسارات إنتاج الدلالات والإشارات الشعرية التي شكلت نسيجاً صوفياً في تجربته ذات النفس الصوفي الذي تتجلى في (دواوينه السبعة). ينبغي أن نتلمس هذه المسارات والاشارات وفق منهج نقدي يستجيب لمتطلبات النص وإمكاناته، وأستكشاف خباياه وتأويل ماورائيته، وأستنطاقه وتفكيك مفرداته، وكشف غموضه، من خلال أعتماد المقاربة بين المنهج السياقي (النفسي والتاريخي والأجتماعي) للشاعر، والمنهج النصي (البنيوي والتفكيكي) لنصوصه الشعرية.
أقول هذا وأنا لستُ ناقداً متبحراً في النقد حتى أغوص في هذه المقاربات المنهجية، ولكنني قارئ يتمعن بالنص، وأفترض أن قراءتي بكل ما لدي من رؤية سوف تكون عملية إدراكية، تثير بداخلي الأسئلة والدهشة. والنص أي نص يشير دائماً الى الكيفية التي يمكن أن نفتح بها عقولنا بالتساؤل والدهشة. والنص الراقي يستحق قراءات متعددة ومعمقة، ومع كل قراءة تتكشف فيه رؤى جديدة، لم نراها من قبل في القراءة السابقة له.
▪︎مقدمة:
أن التجربة الصوفية دفعت الكثير من شعراء الحداثة إلى البحث في خزائن الشعر الصوفي، والتقاط جواهره. وفي الشعر العراقي الحديث والمعاصر، تزايد أهتمام الشعراء حتى جعلوا من التصوف أحد مصادرهم الشعرية.
هناك الكثير من التجارب الشعرية العراقية تستحق الوقوف عندها من قبل النقاد والباحثين، وأن يُسلط الضوء عليها. والشاعر "أمين جياد" من الشعراء المعاصرين، نتلمس في شعره الحس الصوفي، فهو يخلق نصاً أبداعياً ذات أبعاداً روحية وكونية ورؤيوية، ينبغي أن نتقبل نصوصه كما نتقبل أحجاره الكريمة، لأن نصه الشعري قائم لذاته، عبارة عن (حجر كريم)، وهذا ما يعطي له قيمة جمالية وفنية وبلاغية. فالمفردة لديه لها ميزتها الدلالية التي تأخذ الكثير من التأويل والقراءة. وفي هذه الدراسة نحاول أستمكان، مدارك القراءة الصوفية و تجلياتها في شعره، وتتبع الأثر الصوفي عنده، وفق منهج تحليلي يرصد بؤر الأشتغال الشعري في تجربته الشعرية. لا يخفى على أي قارئ ومتابع لشعر "أمين جياد" أن يؤشر الصلة الموجودة بينه وبين التجربة الصوفية في جوانبها المعرفية، والإبداعية، والجمالية. فقد قدم لنا نصوصاً ورؤى وتصورات صوفية تتسم بالجمال والإبداع، فنراه يخلق صوراً، يعبر بها عن مشاعره وأحاسيسه، باحثاً فيها عن التجلي. لقد أستطاع من خلال نصوصه المكتنزة بالدلالات الصوفية أن يتجاوز المرئي إلى اللامرئي. وأن يستثمر إمكانيات النص الصوفي، اللغوية، والأسلوبية، والفنية، والجمالية، والبلاغية ذات الدلالات الرمزية، لأن التجربة الصوفية تجربة كثيفة الترميز، تخلق عند الشاعر صور شعرية، منفتحة على دلالات متعددة، هذا الدافع هو الذي جعل الشاعر "أمين جياد" أن يتحسس عظمة التجربة الصوفية، وأستثمار ما فيها من مفاهيم وزخم فكري ومعرفي وجمالي.
لذلك تجربته الشعرية تستحق القراءة المتأنية والمتأملة، لأن هذه التجربة مرتبطة بغنى وثراء تجربة الشاعر المعرفية وتجلياتها في نصوصه ذات اللغة الصوفية الأحداثوية، يبث منها رؤيته الفلسفية للأشياء وكينونة الوجود، لتشكل مرجعية تأويلية في نصوصه الشعرية، من خلال أستثمار ثراء المعجم العرفاني الصوفي وأدواته التعبيرية الذي يتجاوز بها حدود النص الشعري التقليدي، الى خلق شكل شعري يوظف فيه المفردات والتراكيب الصوفية. لذلك لا ينظر الى نصه الصوفي نصاً دينياً، بل نصاً إبداعياً، ذات لغة إشارية، مزدحم بشيفرات متعددة متباينة، ذات إشكالية تأويلية، تتميز بسياقات رمزية مجازية متنوعة مفتوحة الآفاق، غير خاضعة لمرجعية لغوية معجمية، ودلالات كثيرة، قابلة لأكثر من تأويل. وإذا أردنا تتبع مسار إنتاج دلالة الرمز الصوفي في شعره سوف نرى إشارات شعرية، شكلت الكثير من الدلالات داخل المحتوى النصي، بما يمتلكه من ثراء في توظيف المفردة اللغوية الصوفية التي تؤدي وظيفة دلالية في مكامن النص الذي تموضعت فيه، وأكتشاف البؤر الأبداعية، وتأويل ماورائية النص، فيجعل القارئ يغوص فى داخل هذه البؤر وما وراءها.

