-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أ.د. لطفي منصور ... يكتب / أصحابُ الأَنٍفُسِ الكبيرَة

 أ.د. لطفي منصور  

يكتب / أصحابُ الأَنٍفُسِ الكبيرَة




لا تَقْتَنِعْ بِالكَسْبِ الحقيرِ، وَعِنْدَكَ فِكْرٌ وَعِلْمٌ وَدِرايَةٌ وَتَجْرِبَةٌ، وَمَقْدِرَةٌ وَتَصْمِيمٌ عَلَى السّّعْيِ الهادِفِ نَحْوَ الغايَةِ التي تَصْبو إلَيْهَا.
قَالَ نبوليون الكورسيكي الذي دَوَّخَ أوروبا وروسيا ودولَةَ المَماليكِ في مِصْرَ: إنَّ الْمَعالِيَ يُمْكِنُ تَحْقيقُها إذًا سَعَى الإنْسانُ وَراءَها سَعْيًا صَحيحًا متواصِلًا.
وَعِنْدَنا نَحْنُ العرَبَ أَمْثِلَةٌ كَثيرَةٌ عَلَى أناسٍ كانوا في الدَّرَجِةِ الأُولَى مِنَ السُّلَّمِ الاجتِماعِيِّ، وأخذوا يَصْعَدونَ بمواهبِهم وقُدُراتِهِم الّتي طَوّروها، حَتَّى وصَلوا إلَى أعْلَى الدَّرَجات، مِثْلِ عصامٍ حاجِبِ النُّعْمانِ بنِ المنذِرِ مَلِكِ الْحِيرَةِ، الذي قَالَ فِيهِ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: مِنَ الرَّجَز
- نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاما
وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالإقْداما
وباسْمِهِ اقْتَرَنَتِ العِصامِيَّةُ. وفِي الْمَثَلِ: "كُنْ عِصامِيًّا لا عِظامِيًّا"، والعِظامِيُّ هُوَ الذي يَصِلُ إلَى الْمَعالي بِعِظامِ آبائِهِ وأجْدادِهِ.
وَشاعِرُنا الكبيرُ المتنَبِّي قَدْ حَثَّنا عَلَى السَّعْيِ الموصِلِ إلَى الْغايَةِ العُلْيا، وعابَ أولَئِكَ الذينَ يَمْتَلِكُونَ الْقُدُراتِ ولا يتقدَّمونَ فقالَ:
وَلَمْ أرَ في عُيوبِ النّاسِ شَيْئًا
كَنَقْصِ الْقادِرِينَ عَلَى التََمامِ
الكَسْبُ الذي يُغَيِّرُ مَنْحَى حَياةِ الْفَرْدِ لَيْسَ الْمالُ فَقَط؛ الغِنَى بالمالِ يَكُونُ أحْيانًا مَضَرَّةً لِصاحِبِهِ إذًا لَمْ يُسْتَثْمَرْ بالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَعُودُ قسمٌ مِنْ رَيْعِها إلَى الصَّالِحِ العام.
الَكَسْبُ الموفي هُوَ المرتبطُ بِالْعِلْمِ الواسِعِ المتشَعِّبِ الذي يَتَناوَلُ أبْوابَ الرِّزْقِ كُلِّها، وَفِي الْقُرْآن: (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا).
الفِلاحَةُ والزِّراعَةُ تحتاجانِ إلَى العِلْمِ والدِّرايَةِ بِطُرُقِهِما. الفلّاحُ الجاهِلُ يَبْقَى إنتاجُهُ ضَئيلًا، فَكَيْفَ يَزيدُ كَسْبُهُ؟ "وَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ".
الْكَسْبُ الْحَلالُ المُشَرِّفُ الوافي يحتاجُ إلَى جُهْدٍ مُضْنٍ وَمُتْعِبٍ ونَفْسٍ تَطْمَحُ إلَى المعالي، كما قَالَ الشّاعِرُ الكبير:
- فَإذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا
تَعِبَتْ في مُرادِها الأَجْسامُ
أصْحابُ النُّفوسِ الكبيرَةِ لا يَقْبَلونَ أنْ يَعيشُوا في الظِّلِّ، إنَّهُمْ يَسْعَوْنَ لِيُصْبِحوا في العلياءِ. وَلَوْ كَلَّفَهُم ذَلِكَ حَياتَهُمْ. ولنا مِثالٌ بِأَميرَيِ الشِّعْرِ العرَبِيِّ القديم اُمْرِئِ القيسِ وَأبي فِراسٍ الحَمَدانِيِّ.
كَثيرونَ مِنَّا يَعْرِفونَ قِصَّةَ امْرِئِ القَيْسِ الشّاعِر وصاحِبِهِ الشّاعِرِ ابنِ قَميئَةَ وكانا في طَريقِهِما إلَى قَيْصَرِ بِيزنطَة. فَأخَذَ ابْنُ قَميئَةَ يبكي مِنْ هَوْلِ الطَّريقِ والتَّعَبِ والمَرَضِ. فَأنْشَدَهُ امرُؤ القيسِ: مِنَ الطَّويل
- بَكَى صاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ
وَأَيْقَنَ أنّا لاحِقانِ بِقَيْصَرا
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْك عَيْنُكَ إِنَّما
نُحاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرا
وكانتِ النَّتيجَةُ أنَّ الاثنينِ قَدْ ماتا ولم يُحَقِّقا مُرادَهُما.
أمّا الأميرُ أَبو فِراسٍ فَقَدْ قَالَ في قصيدَتِهِ المشهورةِ التي مَطْلَعُها: مِنَ الطَّويل
أراكَ عَصِيَ الدَّمْعِ....
- وَنَحْنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنا
لَنا الصَّدْرُ دُونَ الْعالَمينَ أَوِ الْقَبْرُ
فَالْعَمَلَ الْعَمَلَ فالعُمْرُ قصير.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية