-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

طقوس كرونية ... بقلم : أ . علي الشافعي


طقوس كرونية
بقلم : أ . علي الشافعي


طقوس اجتماعية ـــ يا سادة ــ درجنا عليها من فترة طويلة , وتحديدا في الثلاثين عاما الاخيرة , سببت لنا هوسا جارفا وسباقا جانحا على كل صرعة جديدة تنزل بساحاتنا العامرة , على طريقة ( اذا ربعك تجننوا عقلك ما بنفعك ) , اصبحت تلك الصرعات مع تنامي الايام ثقافة العصر التي لا يحاد عنها , ولا يسمح لابن انثى ان يزوغ عنها قيد انملة . صحيح انه تخرج بين الفينة والاخرى صرخات خجولة تنادي بإلغائها , لكنها سرعان ما تخمد وتتلاشى والسيلَ الجارفَ من الانتقادات والمعارضات وصمم الاذان , فكانت تذهب تلك النداءات ادراج الرياح , وقد يعود من وقفوا في وجهها اشد تأييدا لها , وايمانا بها .
لكن السيدة كروناــ ايها السادة ــ لها إملاءاتها ؛ حيث أجبرت المجتمع على الغائها جملة واحدة وبلا مقدمات او معارضات , بل تأييد مطلق من كافة فئات المجتمع , حكم كرونا يا سيدي , يسير على رقاب الناس , وكما زجنا في السجن الكبير لشهرين متواصلين , فرض علينا هذه الطقوس شاء من شاء وابى من ابى . ما هذه الطقوس ؟ هل ستزول بزوال الحكم الكروني للكرة الارضية ؟ سأقول لكم وافوض امري الى الله :
اولا : طقوس الافراح التي عانينا من تبعاتها ماديا ومعنويا , وطالما احتججنا على ارتفاع تكاليفها , بحيث ان حفلات السهرة والحناء والصالون والصالة تكلف اضعاف اضعاف المهر والشبكة والاثاث , مبالغ باهظة تثقل كاهل العريس , وتجعل كثيرا من شبابنا يحجمون عن الزواج , فيترهبن الشباب وتعنس البنات , ونحن متمسكون بتلك المطالب , حفاظا على هيبة العائلة ومراعاة البرستيج الاجتماعي  . اكتشفنا بفضل املاءات السيدة كرونا اننا نستطيع الزواج بدون هذه المظاهر, فاصبح الزوج وبكل سهولة ويسر يذهب بمفرده الى بيت عروسه ويصطحبها الى بيت الزوجية , دون هذه البهرجة الزائفة والبذخ الزائد , فيوفر على نفسه تلك المبالغ الطائلة , مما جعل الشباب يسارعون للزواج قبل افول نجم كرونا المسعود .
ثانيا : بيوت العزاء وما يدور فيها ؛ بدءا من الصيوان وسعته ونوع المقاعد وفخامتها , مرورا بخدمات الضيافة وانواع التمور التي يجب ان تقدم فيها اضافة للقهوة والماء المعلب , والتي تثقل كاهل اهل الميت , في وقت قد يكونون بأمس الحاجة الى كل قرش , ثم العشاء الذي اصبح بروتوكولا اجتماعيا ثالث ايام الوفاة , ولا ادري من اين جاء هذا التقليد , حيث الاصل في الاسلام ان يصنع الطعام لأهل الميت وليس العكس , هذا العشاء الذي اصبح  مظهرا من مظاهر التفاخر والتنافس ليقال : فلان عمل عشاء لميته من ارقى المطاعم , وتخيلوا ـ يا سادتي ـ ان اقارب الميت هم من يملي الطلبات على اهل الميت فيكلفونهم ما لا طاقة لهم به حتى يقال العائلة الفلانية فعلت كذا , او ان النائب العلاني لا يحضر العزاء الا اذا كان بخدمات تليق بسعادته وضيوف سعادته , الذين سيتملقون له فيعزّونه ويتجاهلون اهل الميت . فبحكم السيدة كرونا لا صيوان ولا خدمات ولا عشاء , واصبح  الامر مقتصرا في مكان الدفن وعبر وسائل التواصل الاجتماعي , وتسير الامور بسلاسة دون ادنى تكاليف , سوى البلدية واثمان القبور التي اصبحت في العلالي ودرجات؛ فهناك الخمسة نجوم وهناك ما تحت النجوم  , حسب مركز وبرستيج العشيرة .
ثالثا : معركة التقبيل في الاعياد وكلما التقينا في المناسبات , واغلبها مبالغ فيها او نوع من النفاق الاجتماعي , وكما قيل في المثل الشعبي (بوس اللحى ضحك على اللحى ) . القانون الكروني اوقف هذه العادة وفرض علينا لبس الكمامات والقفازات , ولسان حالنا يقول مرحبا عن بعد , ونرجوكم لا مساس .
رابعا : ثقافة التسوق من المولات والتجمهر فيها على عرض ما , وشراء ما يلزم وما لا يلزم , والالعاب الالكترونية والمسابقات والدعايات . كرونا فرضت قوانينها , فلا مولات ولا تجمهرات , واصبح التسوق مقتصرا على الضروريات , وخرج الاطفال الى الساحات يستمتعون بالطائرات الورقية , والالعاب القديمة التي عرفوها عن ابائهم كالحجلة و شد الحبل وغيرها .
خامسا: فرضت كرونا قوانينها على المطاعم ؛ فلا شاورما ولا همبرغر ولا كنتاكي , وعادت الامهات لصنع بعض الاكلات الشعبية التي لا غنى للناس عنها في البيوت , كالحمص والفول والفلافل والمسبحة والفتّة , واكتشف الناس الفرق في الطعم بين عملها في البيت وعملها في المطعم , فان تعمل في البيت اقل تكلفة واطيب طعما واصح قليا , الخبز البيتي اطيب وصحي اكثر  من خبز المخابز والافران الالية .
وبعد ايها السادة الافاضل : ستنتهي كرونا اجلا ام عاجلا , وسينتهي معها حكمها الجبري , ليعود حكم بني البشر مرة اخري , فهل ستذهب احكامها معها , ونعود لنفس الثقافة ونمارس نفس الطقوس , رغم اكتشافنا انها كانت خاطئة , ام نتعلم منها ثقافات وممارسات تفيدنا في قادم من الازمات ؟ طاب يومكم .

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية