أ.د. لطفي منصور .. يكتب :
شَيْءٌ منَ التاريخِ وَالكَلامِ الْبَليغ
كانَ الْخَليفَةُ الْوَليدُ بنُ يَزِيدَ بِنِ عَبد المَلِكِ بِنِ مَروانَ، الّذي ولي الخِلاافَةَ بعدَ مَوْتِ هِشامِ بن عَبْدِ الْمَلِكِ سَنةَ (125هج) فاسِقًا سِكِّيرًا، يَرْتَكِبُ الْمحَرَّماتِ، وَيَنْتَهِكُ الْحُرُماتِ مَعَ أَمَّهاتِ أَوْلادِ أَبيهِ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفي الوَقْتِ نَفْسِهُ كَانَ فَصيحًا بَلِيغًا شَاعِرًا غَزِلًأ، شِعْرُهُ رَقيقُ الدِّيباجَةِ، لهُ دِيوانُ شِعْرٍ صَغير (طُبِعَ في دار الجيل - بروت).
عِنْدَما رأَى بنو أُمَيَّةَ سُلوكَ الوليدِ الشّاَئِنِ ثارَ عَلَيْهِ ابنُ عَمِّهِ يَزِيُدُ بْنُ الْوَليدِ بنِ عَبْدِالْمَلِكِ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاقِصِ وَقَتَلَهُ وَحَزَّ رَأْسَهُ، ووَضَعَهُ عَلَى عَمودٍ لِيَراهُ النَّاسُ، وَيَحْمَدُوا اللَّهَ الّذي أَراحَهُمْ مِنْهُ.
ثُمَّ مَلَكَ يَزيدُ النَّاقِصُ وَهوَ أَعْرَقُ نَسَبًا في الْمُلْكِ مِنْ سائِرِ خُلَفاءِ بَنِي أُمَيَّةَ. فَأُمُّهُ فارِسِيَّةٌ اسمُهَا شاهفَرَنْد بنْتُ بِنْتُ فَيْروزَ بنِ يَزْدَجُرد الْكُسْرَوِي. وَسُمِّيَ بالنَّاقِصَ لِأَنَّهُ أَنْقَصَ إُعْطِياتِ الْجُنودِ. وكانَ خَطِيبًا مِصْقًا بَلِيغًا. فبعْدَ أَنْ قَتَلَ الْوَليدَ بْنَ يَزيدَ وَقَفَ خَطِيبًا في النَّاسِ وَقالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ:
وَاللَّهِ أَيُّها النَّاسُ ما خَرَجْتُ أَشِرًا وَلا بَطِرًا، وَلا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيا، وَلا رَغْبَةً في الْمُلْكِ، وَلا بِيَ إطْراءُ نَفْسِي، وَإنِّي لَظَلومٌ لَها، وَلَقَدْ خَسِرْتُ إنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي، وَيَغْفِرَ لِيَ ذَنْبِي، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ غَضَبًا لِلَّهِ وَدِينِهِ، وَداعِيًا إلَى اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، لَمّا هُدِمَتْ مَعالِمُ الْهُدَى، وَأُطْفِئَ نُورُ التُّقَى، وَظَهَرَ الْجَبّارُ الْعَنِيدُ، وَكَثُرَتْ حَوْلَهُ الْحِزَقُ وَالْجُنودُ، الْمُسْتَحِلُّ لِكُلِّ حُرْمَةٍ، وَالرّاكِبُ لِكُلِّ بِدْعَةٍ، مَعَ أَنَّهُ - وَاللَّهِ - ما كانَ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ، وَلا يُصَدِّقُ بِالثَّوابِ وَالْعِقابِ.
وَإنَّهُ لَابْنُ عَمِّي في النَّسَبِ، وَكَفِيِّي في الْحَسَبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ اٍستَخَرْتُ اللَّهَ في أَمْرِهِ، وَسَأَلْتُهُ أنْ يَكِلَنِي إلَى نَفْسِي، وَدَعَوْتُ إلَى ذّلِكَ مَنْ أجابَنِي مِنْ إَهْلِ وِلايَتِي، حَتَّى أَراحَ اللَّهُ مِنْهُ الْعبادْ، وَطَهَّرَ مِنْهُ الْبِلادْ، بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، لا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي.
أَيُّهَا النَّاسُ! عِنْدِي أُعْطِياتُكُمْ في كُلِّ سَنَةٍ، وَأَرْزاقُكُمْ في كُلِّ شَهْرٍ، حَتَّى تَسْنَدِرَّ الْمَعِيشَةَ لِلْمُسْلِمينَ، فَيَكُونَ أَقْصاهُمْ كَأَدْناهُمْ. فَإنْ أَنا وَفَيْتُ فَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطّاعَةُ، وَحُسْنُ الْمُوازَرَةِ الْمُكانَفَةِ.
وَإنْ أَنا لَمْ إُوفِ لَكُمُ فَلَكُمْ أنْ تَخْلَعثونِي، إلَّا أنْ تَسْتَتِيبونِي، فَإنْ أَنا قَبِلْتُ قَبِلْتُمْ مِنِّي، وَإنْ عَرَفْتُمْ أَحَدًا يَقومُ مَقامِي مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالصِّلاحِ، يُعْطِيكُمْ عَلَى نَفْسِهِ ما أَعْطَيْتُكُمْ، فَأَرَدْتُمْ أَنْ تُبايِعُوهُ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبايِعُهُ، وَأَدْخُلُ في طاعَتِهِ.
أَيُّها النَّاسُ! لا طاعَةَ لِمَخْلوقٍ في مَعْصِيَةِ الْخالِقِ، أَقولُ قَوْلِي َ هَذا وَأَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
-------------------
أُنْظُروا عتافاكُمُ اللَّهُ إلَى هَذا الكَلامِ الذي يَسيلُ كَماءِ الذَّهَبِ، سَلاسَةً، وَفصاحَةً، وَبَلاغَةً تُسْرِعُ إلَى سُكْنَى القَلْبِ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ. وانْظُروا إلَى العَدْلِ، وما يَقولُهُ أمِيرُ المُؤْمِنينَ وَخَليفَتُِهم ماذا يَفْعَلُونَ إنْ جَنَحَ إلَى الباطِلِ، أوْ زاغَ قِيدُ أُنْمُلَةٍ عَنِ الْحَقِّ.
الكلمات الصَّعْبَةُ:
الأأَشِرُ البَطِرُ.
اطْراءُ نُفْسي: اعْلاءَها ومَدْحَها.
ظَلومٌ لها: الضمير يعودُ إلى النَّفْسِ التي ظَلَمَها بافتِرافِ القَتْلِ.
خَرَجَ عَلَيْهِ: ثارَ عَلَيْهِ. غَضَلًا: مَفْعولٌ لِأَجْلِهِ.
الجَبَّرُ العَنيد: الوليد بن يزيد المقتول.
الْحِزَقُ: جَمْعُ حِزْقَةٍ وهم الْجَماعَةُ.
الْكَفيُّ: الكافي. نَقولُ: ةهُمْ أَكْفِياء، أي لهم القُدْرَةُ؟ أمُّا أَكْفاء جَمْعُ كُفْءٍ فهم المتساوون في الصِّفَةِ والمقدِرَةِ. وَأَكِفَّاءُ< جَمْعُ كَفيفٍ وهو الأَعْمَى. فَانْتَبِهوا للفوارِقِ في المَعْنَى.
أَسْتَدِرَّ: من الدَّرِّ وهو اللَّبَنُ كِنايَةً عنِ الرِّزْقِ. نَقولُ: لِلِلّهِ دَرُّهُ: أي أَكْثَرَ اللِّهُ عِنْدَهُ اللَّبَنَ. وهو خيرُ رِزْقٍ عند العَرَبِ.
الْمُكانَفَةُ: الْمُعاوَنَةُ.

