حتى متى يبقى شعراؤنا بعيدين عن الشعر الأصيل، يفقدون جمالَ النظمِ الذي يشعرُ المتلقي بالمتعة الفنيّة الأدبيَّة. إن ما نقرأ من الشعر المحلّي غالبهُ كلامٌ مصفوفٌ لا حياةَ فيه، ولا حرارةً حيّةً ولا نبض فيه، ولا نَشَقُ الشعرِ، ومذاقُهُ الأدبيُّّ الذي يهُزُّ المشاعِر ويروي العواطفَ المهترِئةَ، التي أبلاها المللُ من قعقعة الألفاظ، وفراغها من المعاني التي تروي الفكر الراكد فيشتعل. هذا هو الشعر معانٍ دافقة وحرارةٌ كاوية، وألفاظٌ ناريّة، وجمالٌ فنيّ وموسيقى صاخبة.
وكما جنى الشعرُ الجاهلي على الشعر الذي جاء بعدَه - في العصور الأموية والعباسية، وعصر الانحطاط - في ذكر الأطلال وبكاء الديار، وقالبِ القصيدة الروتينيّ والخطاب الشعري الممل، كذلك جنى في عصرنا "المجددون" في النصف الأول من القرن الماضي مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب والبياتي، ومن قبلهم نسيب عُريضة باختراع شعر التفعيلة الواحدة. ومع أنهم نظموا شعرًا مقبولًا، لا يمجّه الذوق لموسيقيته، إلا أنهم فتحوا المجال أمام غير الشعراء، وهم كُثُر، ليحسبوا أن ترتيب ما يسمى عندهم بالقصيدة - وهي تسمية ظالمة - بشكل عمودي يضم السطر كلمة او كلمتين، بلا وزن ولا جَرْسٍ ولا إيقاع، ولا إمتاع يجعلهم من الشعراء، ثم يصدقون أنفسهم بهذا الزيف غير المخجل انهم أصبحوا فعلا من الشعراء، يشار إليهم بالبنان، يغرقون صفحات الفيس بوك بنظم رديء خاوٍ من كلّ متعة غير آبهين بالنتائج وبصرخات النقّاد الحقيقيين. يصدقُ فيهم القولُ:
آنّ الزرازيرَ لمّا طارَ طائرُها
توهَّمَتْ أنَّها صارتْ سواهينا
والأدهى من ذلك أنهم يُطعمون "شعرهم" بذكر المرأة بصفات المراهقين مستخدمينها كالمقبلات او البهارات التي ترشّ على الطعام ليستسيغه الآكلون.
لا أستطيع أن أتصوّر شاعرًا لا يعرف عروضَ الشعر، وهو ميزانه ومنواله الذي ينظم بوساطته. إلا الشعراء المطبوعون، الذين وُلدوا شعراء. وهم أيضًا بحاجة إلى العَروض ليستقيم شعرُهم.
إن في الشعر العربي ما يسمى بالمجزوء. مثل مجزوء الكامل، المركب من تفعيلتين: متفاعلن متفاعلن، او مجزوء الرَّمَل أو مجزوء الرجز. وهناك بحور خفيفة مثل المتقارَب والمتدارك، وأخف منها الثلاثيات مثل الوافر والكامل والخفيف والمضارع وغيرها.
لماذا لا ينظم سعراؤنا على هذه البحور الجميلة. لمذا يتبعون الترتيب العمودي الذي إن طال لا يشبه إلا الحية، ويبتعدون

