قصة قصيرة
– العراق
رغما عن أنفي، سأبقى في حجرتي الليلة فثمة ريح تعوي خارج حجرتي مصحوبة بزخ متقطع لمطر يبدو ثقيلاً. السماء ملبدة بالغيوم منذ الصباح الباكر، لن أذهب إلى الحانة لن يفتقدني أحد، خلقت وحيدا وسأظل وحيدا ً، ذاك قدري فأنا مجهول النسب ،
يدعونني باللقيط ،أو (النغل) باللهجة العراقية الشعبية ... كم أكره هذه التسمية اللعينة التي لا ذنب لي فيها سوى أنني كنت نطفة كائن في رحم امرأة مجهولة. كان هما من اقترفا جناية الشهوة والفعل المحرم كي أكون لمفردة ابن الزنا رفيقاً وكأنما وشمت بها على جبيني، وكثيرا ما استغربت كيف للناس أن تعرف أنني بلا أصل...!
كل ليلة أذهب لذات الحانة وأحتسي كمية ضئيلة من الخمر، وفي دخيلة نفسي أعلم أنها لا تكفي لمنحي نشوة ( السكر ) ، سيأتي اليوم الذي أسكر فيه وأترنح كما أشاء ، سأصبح غنياً كما حلمت ، وأرد الصاع صاعين لكل من جرحني في مجمل حياتي ، لكن كيف؟؟ وأنا فقير مدقع، لا أحسن عملاً ولا أمتلك موهبة أنتفع منها، لكنني أحلم ولن يصادر أحد ٌ أحلامي.
حسنا، فلأستغل هذا اليوم في الجلوس ومنح الراحة لجسدي المتعب الذي لم أعد أشعر به جراء الأعمال الشاقة التي أقوم بها يوميا ، هكذا هو عمل ( الحمال ) أمارسه منذ سنين طوال، أحمل على ظهري القوي ما يصعب على الناس حمله وأتكسب من عملي مبلغاً لا يكاد يسد رمقي.
البيت الذي أسكنه، مؤلف من طابقين بدرجة عمران متوسطة كونه قد مضى على بنائه عشرات السنين، صاحبته امرأة مسنة، تقتات من الإيجار الذي يدفع لها لقاء السكن في غرف المنزل.
لا أحب التحدث إلى شريكي في سكن الحجرة، كان كل ما يدور بيننا حديث مقتضب، صوته خافت بشاربه الكث الذي اصطبغ باللون الأصفر لكثرة ما كان يدخن يومياً من لفائف التبغ الرديئة الصنع ، يعلو رأسه شعر أبيض طويل يغطي معظم عنقه، ملتف بغطاء صوفي سميك يبقيه دافئاً ويقيه شر البرد القارص في حجرة جدرانها متهالكة بالرطوبة ، هذا الرجل مثقف هكذا يطلق على نفسه ، لديه كتب كثيرة يقضي معظم وقته وهو يقرأ، ويمتلك أوراقا وأقلاماً متنوعة ، لم أساله يوماً عما يقرأ، أو ما يكتب، لا أعرف عنه الكثير.قررت أن أسامره الليلة ، ربما يمضي وقت الليل الشتائي الطويل دون أن نشعر به. جلست على سريري ،حدقت في وجهه وسألته :
- يا عم طارق؛ أراك متمدداً في سريرك ألن تخرج اليوم؟
- كلا، الجو الليلة لا يشجع على الخروج والذهاب إلى المقهى حتى ألتقي مع أصحابي، ونحن تجمعنا علاقة صداقة طويلة.
سحب علبة السجائر وأشعل لفافة، وضعها في فمه، ملأ الدخان المتصاعد وجهه ورأسه، بينما كنت مستمعا وفي حالة ترقب لما سينهي به حديثه.
- يا ولدي : نحن ثلة من المثقفين نلتقي مساء كل يوم نتسامر، منا من يلقي شعراً كتبه ، وأخر يحدثنا بتخصص التاريخ الذي يتقنه ، والآخرون يتحدثون بالشأن السياسي . أصحابي هؤلاء تعرفت عليهم بعد أن هربت من بلدتي الصغيرة قبل ما يربو عن العشرين عاماً .. حضرت إلى هنا مرغماً هاربا من القصاص.
استغربت عندما قال إنه هارب من بلدته، أخذت تطوف بذهني العديد من الأسئلة.
- لم هربت، وماذا فعلت يا عم ؟!
ارتسمت ابتسامة حزينة ، ساخرة على شفتيه ، حمل علبة سجائره وأخرج لفافة تبغ أخرى، وضعها في فمه وأشعلها ثم أخد نفسا منها و قال:
- يا ولدي .. نحن نعيش في مجتمع يقتات على الأعراف والتقاليد، مجتمع يحرم الحب العذري وفق مفاهيم فيها من الدقة الشيء الكثير، كوننا لا نمتلك مقومات اتخاذ الخيارات الصحيحة لاسيما ونحن في ريعان الصبا. أيام شبابي أي قبل عشرين عاماً عشقت فتاة جميلة ، فتنت بها ، عشقتها عشقا جما ًوارتبطنا بعلاقة حب عارمة ، وكنا نلتقي في السر في مكان منعزل بعيدا ً عن أعين الناس وهي الطامة الكبرى ومثلما قيل في مأثرنا (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. ).. استسلمنا لمشاعرنا .. كنا بلا عقل فقد شغفنا ببعض، لم نطق صبراً، لم نفكر، كانت الشهوة في حضرة جمالها قاتلة، راودتها عن نفسها بكل مفردات الحب الرقيقة واللهفة، كنت أحبها بصدق وشغف.. وحاولت إصلاح الأمر..لكن أهلها رفضوا ارتباطنا بشدة ، وكانت حصيلة خلوتنا المحرمة أن حملت بطفل، عندما ولدته وضعته على باب الجامع ، وحسب ما بلغني فيما بعد ، أنها وضعت منديلا طرز عليه اسمي مع لفافة الطفل قبل تركه.
انتفضت واقفا، بحثت بين أغراضي، رفعت المنديل أمامه، صرخت بوجهه
- أيعني هذا أنك والد النغل الذي أمامك

