بزغ الفجر ودبت الحياة في الحي وتسللت أصوات الباعة والعاملين في الشارع إلى داخل الشقة، وما زال محمود ماسكا لقلمه منذ ليلة البارحة، يكتب جملة، يمزق الورقة ثم يعيد الكَرَّةَ مرة أُخرى، صوب بصره إلى جهة الساعة المعلقة على الحائط، أسند رأسه على الكرسي الجالس عليه، مسح بيديه على وجهة المرهق ثم قال بتعب:
- آه إنها السادسة صباحا، لم يتبقَ شيئا على الموعد المحدد، أمامي ساعتين فقط لإنجاز المقال، ما أمرك يا محمود هل استعصت عليك بضع كلمات؟!
عاود المحاولة مرة أُخرى، ردد بصوت مسموع
سأكتب
" إن المراقب للوضع السياسي لبلادنا، يعرف جيدا أن حزب (شعيط) هو الحزب الوحيد المهتم بمصلحة البلاد وشعبه، لذا فهو الأفضل لتولي السلطة والأجدر بانتخابه"
رفع القلم وحاول الكتابة، لكن أبى قلمه أن يخط كلمة واحدة، رفع رأسه إلى السقف ثم نطق
- يا رباه، اعطني حلا، ما الذي عليَّ فعله؟ إن لم أنجز المقال فلن أستطيع دفع ثمن الإيجار وسأغدو أنا وأُسرتي مشردين!
رفع قلم الحبر الأسود بيده ثم همس
- ما بالك يا صديقي؟! الوقت ينفذ مني، قل لي بالله عليك، ما الذي جنيناه طيلة هذه السنين؟!
دافعنا عن الوطن
كتبنا الشعارات في مدحه وذم أعداءه
وطالبنا سوية بالعدالة والمساواة
وما الذي حدث بعد ذلك؟!
تنهد ثم أكمل
"أنا عاجز عن توفير لقمة العيش لعائلتي، وإن كانت هذه أول مرة لنا في الكتابة بهذه الطريقة، لكنني مضطر لذلك، هيا ...هيا ...هلم بنا لنبدأ من جديد فلنضع الضمير جانبا، وكل ما علينا فعله هو مدح حزب (شعيط) ببعض الأقاويل الرنانة وهجاء حزب (معيط) بكل ما اؤتينا من الكلمات".
حاول مرة أخرى لكن لا شيء، صرخ، رمى القلم على الحائط بعنف، استسلم للبكاء هذه المرة، مزق أوراقه، قلب المكتب بدفعة واحدة، تربع على الأرض فاتحا أزرار جلبابه الأبيض، اشعل سيجارة، لاح إلى بصره شيء لامع، بحث عن مصدره دفع المكتب قليلا
نظر إلى قلادة زوجته الضائعة منذ فترة طويلة، والمرمية بإهمال، تعرج سطحها وتشوهت معالمها، بالرغم من أنها قد صيغت على شكل خارطة وطنه، ابتسم بألم وقال
"افرحي يا امرأة، لقد استطعنا توفير ثمن إيجار الشقة لهذا الشهر"

