يؤمن كثيرْْ من الناس أن الحياة حظوظ، وأن وراء الحظِّ قُوى خفيّة تُسَيِّرُهُ وتدفعُه فيقع في أحضانِ أناس، فينالون السعادة والرفاهيةَ لأن الحظّ حالفهم. وهناك أناس جانبهم الحظ بالرغم من سعيهم في حطام الدنيا، فأخفقوا وتعسوا.
هذه الأفكار في الحظوظ قديمة قِدَمَ التاريح. فلو أخذنا لعبة النرد (الزهر) وهي معروفةٌ منذ آلاف السنين، كان يلعبُها ملوك الهند والاكاسرة في بلاد فارس. وهذه اللعبة تقوم على الحظ والنصيب والصدف، مهما كانَ اللاعبُ ماهرًا. وقد عانَى منها المغلوبون عناءً عظيما.
وقد حاول أحد ملوك الهند أن يكسِرَ الحظَّ، وأن يعطي للعقل مقدرةَ التفوُّقِ على الحظ. فتوجّهَ إلى كبير من فلاسفة بلاده ليخترعَ له لعبَةً ليس للحظِّ فيها مكانٌ، فاخترعَ له لُعبَةَ الشِّطرَنج. غيرَ أنّ لعبة الشطرنج لم تتحرَّر نهائيّا من الحظ، وبقي لظروفِ اللعبِ والحالةِ النفسية للّاعبِ تأثيرٌ مهما كان ضئيلا.
ذُكِرَ الحظُّ في القرآن في عدَّةِ مواقع . فنُعِتَ قارون في القرآن (يا ليتَ لنا مثلَ ما أُوتيَ قارون إنَّهُ لَذو حظٍّ عَظيمٍ) وفي آية أخرى (وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عظيم) وفي آية ثالثة في الوصيّة (وَلِذٍَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثيين).
الحظُّ في الآية الثالثة هو القِسمُ والنصيب.
ومن الشعراء مَن آمن بالحظّ واعتبره منافيًا للعقل والعلم. فهذا شاعرنا المتنبّي يقول من قصيدته في رثاء جدّتِهِ لأُمِّه: (من الطويل)
وما الجمْعُ بينَ الماءِ وَالنّارِ في يَدِي
بِأصعبَ مِنْ أنْ أجمَعَ الْجَدَّ وَالْفَهْما
الجَدّ هو ااحظ. الفهم: العلم والفطنة والعقل.
وهذا حافظ إبراهيم يقول: (من الرَّمَل)
لا تَلُمْ كَفِّي إذا السيفُ نَبا
صَحَّ مِنِّي العَزْمُ وَالدهرُ أبَى
رُبَّ ساعٍ مُبْصِرٍ في سَعْيِهٍ
أخطأَ التَّوْفيقَ فيما طَلَبا
ومن الشعراء الذين شَكَوا الدنيا ولعنُوا حظوظهم شاعرٌ سودانيٌّ معاصرٌ يدعى إدريس جماع، من الشعراء البارزين في السودان كان مثقفًا عالمًا، لم يستطعْ أن يَرتَقي في السلم الاجتماعيّ أكثرَ من أن يكونَ معلمًا. فقال ينعَى حظُّه: (من الرَّمَل)
إنَّ حَظِّي كَدَقِيقٍ فَوقَ شَوكٍ نَثَروهُ
ثمَّ قالوا لِحُفاةٍ ٍ يومَ ريحِ اجْمَعُوهُ
صَعُبَ الأمرُ عليهمْ ثُمّ قالوا اتْرُكوهُ
إنَّ مَنْ أَشْقاهُ رَبِّي كيفَ أنتمْ تُسْعِدوهُ
وقال أحدُ الشعراء المعاصرين أيصّا قصيدَةً طويلة اخترت منها هذه الأبيات: (من الهزج)
حياةٌ كُلُّها زِفْتُ فلا حَظٌّ ولا بَخْتُ
أنامُ على جَلاميدٍ فلا فَرْشٌ ولا تَختُ
فلا زَوجٌ يسليني ولا ولدٌ ولا بنتُ
حياتي غدتْ فوضى وجفَّ الماءُ والنبتُ
أُلازِمُ بيتي معتكفًا فلا همسٌ ولا صوتُ
فلا خِلٌّ بُسامرني ولا أخٌ ولا أخت
وَبَعْدُ، وهي طويلة؛
ما رأينا في مسألةِ الحظّ. لا أحدٌ ينكرُ وجودَ الحظّ، طالما أكده القرآن. فكثيرٌ من الأغنياء الذين جمعوا ثروةً طائلةً لم يكونوا أذكياء بما فيه الكغاية، بنبوغهم وفطنتهم كالعلماء مثلا. وتحضرني حكمةٌ قرأتُها لحكيم الهند بُزُرْ.جِمَهْر وقد سُئلَ: أيهما أفضلُ العلمُ أمِ المالُ؟ فقال: العلمُ. فقيلَ له: إذًا لماذا نرى العلماءَ على ابوابِ الأغنياء كالمتسولين؟ فقال: لجهلِ أصحابِ المالِ بما عندَ العلماء، وحاجةُ العلماء بما عندَ الأغنياء.
المسألة واضحةٌ أكدها القرآن الذي هو حُجَّتُنا. فقد أكد: ورفعنا بعضكم على بعضٍ درجات. في الرزق والعلم غير ذلك ليتعاونَ البشرُ على الحياة.
وإني أومنُ بما قاله نابليون الذي لم ينكر أحدٌ شدّةَ ذكائه حتى أعداؤه الإنجليز. قال: إنَّ المعاليَ يمكنُ تحقيقُها إذا سعى الإنسانُ وراءَها سعيًا صحيحًا متواصلًا.
العمل يحتاج إلى توفيق وتدبير ونظام ودراية. فمن توفرت فيه هذه الأسباب لا بدّ وأن يلِجَ السعادة.
وأختتمُ هذه التغريدة ببيتٍ شعريٍّ حكيم؛
وَإذا العِنايَةُ لاحَظتكَ عيونُها
نَمْ فالمخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانُ
أي العناية الإلهية.
سلمتم ودمتم وكانت القناعة سلاحَكم لتسعدوا

