-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

عبد العظيم فنجان: لم يبقى سوى الحب،العاطفة الإنسانية التي ستلعب دور المخلص من كل الشر في العالم.

حاوره/الصحفي  أحمد السالم





عبد العظيم فنجان شاعرٌ عراقي من مواليد(١٩٥٥) عبقريته الشعرية المتفردة جعلته يتصدر المشهد الشعري مختلفاً عن أقرانه، له قدره فائقة على استخدام المفردات بصورة مذهلة لتتم صياغتها عبر أحاسيس تخرج متناغمة لتشكل عزف موسيقي مميز، رغم شاعريته المبكرة في السبعينيات إلا أنه لم تخرج له أول قصيدة للعلن إلا في بداية التسعينيات، شاعراٌ أتقن لغة الحب في كتاباته حتى أصبح محبوباً من الجميع، قارئ متميز للرواية العميقة منذ البدايات، يحب العزلة كثيراً ويقول أنها تساعدك في فهم نفسك، صدرت له مؤلفات كثيرة بداية من(كيف تفوز بوردة، الحب حسب التقويم السومري، كمشة فراشات، افكر مثل شجرة، الملائكة تعود للعمل). وللتعرف عليه اكثر قمنا بإجراء هذا الحوار معه.

•عندما تريد رؤية الحقيقة عليك الشعور بها، ماذا يعني الشعر لك؟
-الشعر هو تناغم اللغة مع التجربة. ثمة مَن يعتقد بعدم وجود لغة شعرية، لكنني أعتقد أن وجودها ضروري، واستطيع أن أقول: إنني أتمتع بلغة شعرية تختلف عن تلك الموجودة عند أقراني، لكن هذا التمتع يجعلني أشد مسؤولية في التطور اللغوي، أو في المحافظة عليه، على الأقل .
إن القبض على الحقيقة يقع على مسؤولية الأرواح الحساسة، التي تتمتع بضمير جمالي، يجعل من التعبير عنها ـ أي الحقيقة ـ مأثرة جمالية، وهنا اختلاف الشعر عن الحكمة أو عن الفلسفة، التي أخذت مهمة البحث عن الحقيقة، ولذلك لا أعتبر الشعر من الأدب، بل هو الوسيط بين الفكر والفلسفة وبين الأدب.
•متى كانت الانطلاقة نحو عالم الأدب والكتابة ؟ حدثنا عن البدايات؟
-أحببتُ الشعر مبكرا. أقول :" أحببتُ " بمعنى أنني تولهت به، دون أن أكتبه، كنت مندهشاً من السحر، سحر الكلمة، وحفظت عن ظهر قلب معظم شعر أبي فراس الحمداني، من دون الشعراء القدامى، ربما لأنه لم ينل ما يستحقه، أو لأنه كان عذباً ومعذّباً، ولعل أصداء النفي والإهمال والحنين الخاصة به متوفرة في شعري. واستطرادا، يمثل (الحمداني) محنة الشاعر بوجود عبقرية شعرية أخرى منافسة، وأعني به(المتنبي) وهي نفس محنة الفنان التشكيلي(مودلياني) بوجود عبقرية تشكيلية مثل(بيكاسو). لقد وعيتُ هذه الإشكالية مبكراً، لذلك تصرفت بكتمان وبسرية مع ما أكتب، حتى تمكنتُ من صوتي، لئلا أكون ثانوياً، ولم أنشر أول مجموعة شعرية لي إلا في عمر السادسة والخمسين. أود أن أذكر أيضا أن أول نشر لي في الصحف العراقية كان صيف عام 1993 ، ولم أستمر إلا ستة أشهر، إذ غادرت العراق بعد ذلك، ولم أنشر شيئا . أما أول قصيدة كتبتها فقد كانت أثناء حرب حزيران عام 1967، وعمري حوالي 12 عاما.
كنتُ محظوظا، دون شك، في عدم تورطي بالنشر مبكراً، كنتُ شاعرا دون قصيدة، وحتى القصائد التي نُشرت لي عام 1993 لم يتم نشرها بطلب مني، إذ قام الشاعر(محمد تركي النصار) بجمعها في ملف ونشرها في(مجلة أسفار)، دون علمي، بعد أن أوهمني أنه سوف لن يُطلع عليها أحد.
ما لا يعرفه جيل الشباب أن قصيدة النثر كانت ممنوعة في العراق ، حتى منتصف الثمانينات ، وهو أمر ساهم بعزلتي وبتعففي عن النشر ، إذ مارست كتابة قصيدة النثر من بداية السبعينات ، ولم تكن هناك مصادر نقدية هامة عنها ، غير محاولات جماعة كركوك أمثال(سركون بولص، وصلاح فائق)، بل أني لم أطلع على قصيدة النثر اللبنانية(خاصة أنسي الحاج) إلا في نهاية التسعينات، عندما كنت أعيش منفيا في إيران، ولو كنت قد اطلعت مبكراً على هذا الأخير، لتغير مسار شعري إلى الأبد .

•عبد العظيم إلى أي جيل ينتمي؟ وأين ترى نفسك ؟
-تاريخياً أنا أنتمي لجيل السبعينات، لكنني لم أكن فاعلاً. كتبت الشعر في بداية السبعينات، ولم أنشره إلا منتصف التسعينات. هناك من يضمني إلى جيل الثمانينات، لأني اختلطت بمعظم الناشطين فيه. كان اختلاطاً معرفياً واجتماعياً، لكنه غير كاف لأن أكون من جيل الثمانينات، لأنني أكتب بحساسية جمالية أقرب إلى جيل الستينات، ولذلك أعتبر نفسي منتميا إليه جمالياً.

•لماذا يختار فنجان العيش في الخلفيات بعيداً عن الأضواء ، ولماذا هذا الكسل في التواجد واقعياً؟
-أعتقد أن رسالة الشاعر الجمالية تحتاج إلى العزلة، حيث التوحد التام مع نفسك. ربما لا يعرف إلا القلة من أصدقائي أن ميولي القرائية تتجه نحو الرواية. أنا قاريء جيد للرواية، ولا يفوتني شيء منها، كذلك أنا متابع للسينما، متابع عظيم، وهناك أفلام شاهدتها عشرات المرات لشاعريتها، كما أنني أستمع الموسيقى يومياً، وأفضل الموسيقى الكلاسيكية على كل شيء .
هناك شعراء أتابعهم بصمت، وأشعر أننا زملاء في محنة العصر. كل هذا هو من صنيع العزلة. ما فائدة أن تكون نجماً، وعرضة للانتهاك؟ لحد الآن لم أشترك إلا بمهرجان شعري واحد، وليست لي نية بالمشاركة ثانية. إنني أفضل أن أجلس في حانة مع أصدقائي، أصدقاء السوء، نغني ونبكي ونقرأ الشعر، على أن أقف خلف منصة أقرأ الشعر لجمهور مُتعب بسببنا نحن الشعراء. مَن يتحمل أن يسمع عشرة شعراء في جلسة واحدة ؟!
نعم، لقد لبيت دعوات كنتُ فيها الشاعر الوحيد المدعو . وهذا هو الأليق بالشعر، وبعزلته عن منتجي غبار الفحم، فالشعر كالدرة أخشى أن تتسخ عندما تقع بيد فحام، وهذا الفحام ليس الجمهور قطعاً، بل هو هذه الجلبة التي يستخدمها الشعراء من أجل تعريف أنفسهم، ولذلك تركت لهم المنصات، وعشت في عزلتي الباذخة.

•في سجلك العديد من المنجزات الأدبية آخرها(الملائكة تعود للعمل) حدثنا عن إصداراتك بالتفصيل؟
-لقد كان سؤال الحب هو الأصعب، بعد انهيار الايديولوجيات، وظهور التطرف الديني، وهنا كانت رسالة الشاعر : الدعوة إلى الحب الإنساني، بدلاً عن انتظار المخلّص، وهذا السؤال قادني إلى كتابة قصيدة الحب المنشورة في كتبي الشعرية،
أعتقد أن أهم منجز لي هو كتابي " كيف تفوز بوردة ؟ " ، وهو كتاب شعري يتمحور في سؤال " كيف تفوز بوردة " حيث الوردة رمز متعدد الدلالات، أما باقي الانجازت فهي تنويع على الكتاب نفسه. عدا كتاب " أفكر مثل شجرة " الذي ضم تجربة ما يقارب ربع قرن من العزلة ، وهي تجربة انتهت بعد صدور الكتاب .

•ترجمت لك العديد من القصائد إلى عِدة لغات، ما هي أهم هذهِ القصائد؟
-من الصعب احصاء ذلك. فعلى سبيل المثال هناك ترجمات يومية لما أنشر على صفحتي، في الفيس بوك، باللغات الكردية، الفارسية والتركية، عدا عن عدة انطولوجيات عالمية، لم أطلع عليها، لأنني متابع سيء لأصداء عملي، وهو أمر يوقعني بمشاكل كثيرة، أهمها سوء الفهم، فثمة من يعتقد أنني متكبر أو مغرور، فيما الأمر هو أني غير مكترث إلا بعملي، أي: إلا بكتابي أو قصيدتي القادمة، ولا ألتفت أبدا، حتى لمن يشتمني أو يقلل من شأني. استجابة القاريء أمر خاص به : لقد فعلتُ ما عليّ، وعليه أن يفعل أو أن لا يفعل. لقد رميتُ الحجر إلى البركة الساكنة، وعليها أن تشكل دوائر. وكما تلاحظ أنها ادوار متبادلة، فلكل منا دوره.

•كيف ترى مسيرة قصيدة النثر في الوقت الحالي ؟
-لغتي الانكليزية علمية، ولا تساعدني في القراءة الأدبية. هذا يعني أنني اطلعت على قصائد نثر مترجمة من لغات أخرى، خاصة الفرنسية، ومع ذلك لا أستطيع أن أقارب بينها وبين قصيدة النثر العربية عامة، وقصيدة النثر العراقية خاصة، لكنني سأستعين بالسينما كي أقرّب الصورة.
السينما اختراع أوربي، لكنه لم ينتج شيئاً لافتاً في البداية، لأن أوربا عبارة عن حضارة لها تقاليد. وقد خضعت السينما الأوربية، في البداية، لتقاليد المسرح، مما جعلها محدودة الخيال، ضعيفة، ولم تنتج شيئا مؤثرا، إذ غلبت على نماذجها تقاليد المسرح، لكن السينما نجحت في أميركا، لأن أميركا أمة في طور التشكل، دون حضارة، ودون تقاليد.
في قصيدة النثر، وفي الحداثة بشكل عام، هناك اصطلاح " قتل الأب أو المرجع " ، الأب أو المرجع الديني والأخلاقي والمفاهيمي واللغوي ، بقي مهيمن إلى حد ما في أوربا، لكن أميركا كانت دون أب أو مرجع ، ولذلك فالشعر والآداب الأميركية، تختلف تماماً عما في أوربا، بل أن هناك اصطلاح خاص اسمه " قصيدة النثر الأميركية " ، وهي قصيدة قتل الأب أو المرجع .
عربياً ما زال الأب اللغوي مهيمناً ً، على سبيل المثال هناك لفظة كسيفة وأخرى شريفة، وما زال معظم شعرنا العربي خاضع لهذا المرجع، وخاصة " قصيدة النثر " إذ لدينا بل نحن نتمتع بامتياز كتابة قصيدة نثر عمودية، أي حافلة بكل تقاليد الشعر العمودي، وهذا يدل على أننا تطورنا شكليا، فما زلنا في طور التظاهر بقتل الأدب، فيما التقاليد القرآنية في الشعر والكتابة مازالت باقية.
انتبه الناقد والشاعر عبد القادر الجنابي إلى أهمية أنسي الحاج، من هذه الناحية، في كونه ولداً مسيحيا، فهو لم يحفل بالمرجع اللغوي للمسلمين، وكتب نموذجه المتطور والمتقدم على معظم شعرنا، بناء على قتله الأب اللغوي والأخلاقي معاً.
ماذا هو أسم الشعر الذي نكتبه باسم قصيدة النثر؟ 
مع الاعتذار عن العمومية، لا أعرف حقا، إذ نحن نقرأ قصيدة عمودية بدون وزن وقافية ، فيها البكاء على الأطلال ، والدعاية ، وإذلال المرأة ، وكل قيم الجاهلية!.

•ما هو الحب في نصوص عبد العظيم ؟ وكيف روضتُ اللغة في شعرك بهذا الأسلوب النابض؟
-السؤال يحتاج إجابة طويلة، لأن الحب مشكلة اجتماعية وفلسفية وفكرية في كل المجتمعات، بما في ذلك المتطورة والمتقدمة والتي تحتوي دساتيرها على الحرية والحرية الشخصية وعلى حق المرأة ومساواتها مع الرجل، فكيف يكون الحال في مجتمعاتنا التي تنظر إلى الحرية وفق ضوابط جاهلية، وإلى المرأة بوصفها أداة للتمتع!، كيف يمكن الإجابة ببساطة على تراث شعري كامل ينظر إلى المرأة بوصفها ثانوية، فهو مكتوب من وجهة، كيف الرد على مجتمع أبوي تسيطر عليه الميلشيات المحملة بقيم دينية متطرفة ؟!
ألم نشبع من خطاب الحرب؟ وضد مَن هذه الحرب؟ من المستفيد منها ؟ وكم خنقت أحلاماً ومزقت شعوباً؟
من وجهة نظر أب له أربعة أولاد حائزين على شهادات عالية، وهم عاطلون عن العمل، ماذا بقي لهم، بعد أن خذلتنا الأديان والسياسة؟ لم يبق سوى الحب، هذه العاطفة الإنسانية التي ستلعب دور المخلص من كل الشر في العالم، ولن أتوسع لئلا يخرج الحوار عن إطاره.
أما اللغة فهي أداتي ووسيلتي، وأنا أعتني بها، وأطورها، كي تحمل الرسالة بكل أطيانها، ألمها وأفراحها.

•هل كتابة الشعر عن تجربة حقيقة تكون أكثر تأثيراً بما يكتب من وحي الخيال؟
-لا يوجد شعر حقيقي بدون تجربة حقيقية. الشعر هو تناغم التجربة مع اللغة، وعدا هذا التناغم فهو مجرد صنعة، خيال بارد، وتأثيره محدود بحدود اللغة.
وراء كل شاعر عظيم هناك تجربة عظيمة!.

•أنتَ بارع جداً في رسم صور باستخدام ثيمات وأدوات لم يستطع أحد تقليدها، حتى أنَّ الذي يقرأ نص شعري لك سيعرف مؤلفه عبد العظيم ؟ 
-هذا شيء له علاقة بتجربة الكتابة نفسها. ربما كنت مبالغاً ، في بدايتي، في تقديري للغة، للمفردة، ولملائمتها للحالة الشعورية المعبّر عنها، وقد أعطت هذه المبالغة نتائجها. اللغة العربية عظيمة، وهي تحتوي على عشرات الألفاظ للحالة الواحدة. إن فهم عمل اللغة، ونقل المفردة، من وظيفتها اليومية، إلى وظيفتها الجمالية، يتطلب الاطلاع على ما أسميه " ظاهرة الترادف " : جملة :" ذهب علي إلى السوق " ، يمكن كتابتها بعدة صيغ مترادفة ، وهذا سر من أسرار الكتابة الشعرية، ولعل هذا السر هو السبب الأساسي في بقاء الشعر حياً، وإلا فإن كل شيء قد قيل، لكن ما يدهشنا في الشعر هو كيفية القول أولا، فهو في كل قصيدة ينطوي على طزاجة وابتكار .
لقد ساعدني " الترادف " كثيرا ، فالجملة الواحدة، داخل النص، تتعرض لعدة تجريبات، وتصاغ بعدة تشكيلات، قبل أن تتخذ مكانها، وهناك قصائد كثيرة منشورة أعدت صياغتها وفق هذه الظاهرة. نتيجة ذلك، وعلى مر السنين، تكونت تجربة الكتابة، وأصبحت لديّ عدة كتابية ممهورة ببصمتي.

•كيف ترى دور الشعر في ترميم المجتمع ، وتقديم رسالة مهمة للعالم ؟
-التبس دور الشعر، وقل تأثيره، بوجود ثقافة الصورة. نحن في عصر المشاهدة، لا القراءة، بوجود هذه القفزة في التواصل الصوري عبر العالم، وهذه مشكلة الشعر، بل مشكلة الإبداع المكتوب كله، لكنني أكتب، فهذا هو الشيء الجيد الذي أتقنه، متآخيا مع فن الصورة، في دفع عجلة التقدم والتطور . نعم، في البدء كانت الكلمة، لكنها اليوم فقدت جمهورها، ولم يبق إلا حفنة من القراء، ممن يستهويهم هذا الفن، وهم ما أراهن عليه، بل هم زادي ووقودي للنجاة من اليأس.
هل يؤثر الشعر في المجتمع ؟!
أعتقد أن تأثيره قد انحسر، مذ أن تنازل عن دوره الإعلامي، فهو لم يعد ينطق باسم الدين، العشيرة أو الحزب، بل توجه نحو الداخل، وصارت منطقة اشتغاله محصورة بهواجس فردية يشترك فيها مع فئة أو فئات من البشر، ولذلك فهو لا يؤثر إلا في أفراد قلة. أعني أن الصورة متناقلة إعلامياً، فهي أكثر جاذبية، وأكثر توصيلاً، أما الشعر فلم يعد طقساً عاماً، بل هو طقس خاص : فن نخبوي، لا يريده الحزب الحاكم أو المعارض، ولا يؤمن به شيخ العشيرة، ولا تقام له الولائم.
إنني أعني الشعر الحقيقي، وإلا فالشيخ يؤمن بشعر الهرجة، والحزب الحاكم والمعارضة، وهذا الشعر تقام له الأعراس، وينال شعراؤه المكارم والتقدير المادي السخي. هذا الشعر يرتبط بالإعلام، وله مكانه في المهرجانات والدعوات والطائرات ودور النشر، وله تهفو القلوب الفارغة والأجساد الشبقة البيضاء، ويتناوب على إدامته عنترة، وشاعر المليون، وباقي دسائس الجهل التي يقودها العقل الأصولي بغية إيقاف التنوير الذي تحمله القصيدة الحقيقية .
مع ذلك، وفوق ذلك، فالشعر يقاوم، ويومياً أتعرّف على بشر أنقذهم شعري، مع شعر الآخرين، من اليأس والعبودية والاستسلام.

•ماذا تعنى العزلة لعبد العظيم ؟ وهل على الكاتب بشكل عام أن يكون وحيداً لإثراء إبداعه ؟
-لا تعني العزلة الانقطاع التام عن العالم، كالمتصوفة، لكنها تعني الزهد عن الصغائر، عن التورط بعلاقات مختلفة داخل مجتمع الثقافة نفسه، والابتعاد عما هو مبذول ومستعجل وسريع، كما أن الانكشاف للآخرين، بكتلتك وهيئتك، يعرّضك للانتهاك وللإنهاك. أنا شخص مريض بالرقة وبالصدق، وأخاف العلاقات الزائدة، وأخاف ـ أحياناًـ من المعجبين ومن المتابعين، بل أبتعد ما أمكن عن الاحتكاك بهم. البعض يعتقد أنني مغرور، أو قاسي أو متكبر، لكنني أبسط مما يتصورون، سوى أنني لا أريد أن أفقد متعة وجودي حياً بسبب أني شاعر. يجب أن تكون هناك مسافة الغرور الموضوعي التي لا تسمح للآخرين بتسلقك. هذا المفهوم اجتماعي محض.
بالمعنى الجمالي التفرغ التام للقراءة والكتابة، لمشاهدة الأفلام أو لسماع الموسيقى والأغاني التي تجوهر الروح والقلب، هي من صميم يوميات الشاعر الذي أكونه. أنا منقطع اجتماعيا، لكنني أتواصل فكرياً وثقافياً مع العالم. هذا الترفع يمنحني حصانة أن أهتم بكتابة شيء ليس عالياً فكرياً أو اجتماعياً. وهو يحفزني على مشاركة الكبار هموم العصر، والكبار هنا هم كبار الروح والوعي، ولذلك لست أشعر بضغينة أو بدونية جراء الإهمال لي، فقد اخترت الطريقة المريحة بالنسبة لي، الطريقة المريحة في التعامل مع الحياة بكل أطيانها ودررها، وبالتالي لا ألوم أحداً، فمن نتائج العزلة أن أكون محدود العلاقات ، وبالمناسبة : أصحاب العلاقات هم مَن يشوهون صورة الشاعر، وليس الزهّاد المبتلين بوحدتهم وعزلتهم.
أن أكون شاعراً هو أمر يخصني أنا، ولا أريد تبعات لذلك.

•ماذا كتبتَ للوطن ؟ وكيف ترى القادم لبلدك العراق؟
-لا أريد أن أدخل حقل المزايدات الوطنية، يكفي أنني كنت ممن عارضوا صدام، وممن تحمل آثار النفي عن بلاده، ولن أتوسع في شرح ذلك الماضي لأنه كارثي ومؤلم، لكن ماذا أعطاني الوطن؟ ومَن يقود البلد نحو الهاوية الآن؟ ولماذا هجرت السياسة، وتبنيت قصيدة الحب؟
هذه أسئلة جوهرية، ومنها يمكن أن تجد الإجابة. هل يكفي أن تقرأ قصيدة " علبة الصفيح " المنشورة في مجموعة " كيف تفوز بوردة" والتي كتبتها قبيل الاحتلال بأيام، لتعرف ماذا فعلت لهذا الوطن البارد العواطف.

•حدثنا عن الجديد القادم، وهل هناك رواية قادمة تلوح في الأفق؟
-صحتي السيئة تقف حائلاً في الاستمرار ، لقد قطعت شوطا لا بأس به في كتابة روايتي " صانع الأحلام " ثم توقفتٌ، ليس استسلاماً ، وإنما احتراماً للعمل الفني ذاته ، وعندما استعيد عافيتي سأنجزها طبعاً.
أما حالياً فهناك " كتاب الحب " وهو يتضمن جميع قصائد الحب التي نشرتها في مجاميعي الشعرية ، مع نيتي في إصدار الطبعة الثانية من مجموعة " أفكر مثل شجرة " ، إضافة إلى مجموعة شعرية جديدة تحمل عنوان " نشيد الانصراف " وهي مخطوطة شبه جاهزة ، لكن قلقي الجمالي يؤخرها إلى أن أحسم الأمر.

•ما سبب غياب عبد العظيم عن الجوائز والمهرجانات ، رغم الثراء الشعري الكبير؟
-أصبحت الجوائز ذات قيمة اجتماعية أكثر منها جمالية، مع الاعتذار عن العمومية. لقد أجبتُ عن سبب غيابي في سؤال سابق، لكنني أعتبر نفسي محظوظا بحب القراء لي، وهذه أنبل الجوائز، بل أرفعها، في هذا الصدد أحب أن أذكر أن شعراء كبار أمثال فاضل العزاوي، عبد الرحمن طهمازي، وعقيل علي، لم ينالوا جائزة قط. كان حب الجمهور هو جائزتهم الرائعة.

•أخيراً ما دور الصداقة في حياتك ، في ظل تبدد العلاقات الاجتماعية في الوقت الحالي ؟
-أجمل وأنبل الصداقات تلك التي يكون فيها الوعي عاملا مشتركاً، وهذا النوع من الصداقات لا يذبل ولا يموت، ولقد حظيت بهذا النوع لحسن الحظ، وهو زادي في الوحدة. ثمة صداقات خاطئة عشتها مع شعراء، وقد انتهت إلى ما يشبه السخرية، حين أتذكرها أبتسم بألم، لكنني أنتفع من خيباتها شعريا. لقد خسرت أصدقاء بسبب كوني لا أقبل الغش، وكوني أحتفظ بمبادئ إنسانية واضحة: الثقة والاكتفاء.
لعل من طقوس العزلة أن تكون متفرداً، غريباً عما يُشاع عنك، وعما هو شائع، وأتذكر هنا جملة الشاعر الكبير حسين مردان: " ها أني على قمة ايفرست أمضغ الصبّار، لكن ما يزعجني هو أن بصاقي لا يصل إلى الأرض "، فقد انكشفت الهوة، وتبيّن أن خلف الرقة هناك مشجب للخناجر، أما التقدمية واليسارية فلم تكن سوى لوحة لتزيين غرفة الضيوف. أحتفظ بغصة عميقة طبعاً، لكنها ضرورية لعدم ارتكاب حماقات جديدة. لديّ عائلتي من القراء، في أنحاء العالم، وهم أفضل أصدقائي حاليا.

•كلمة أخيرة توجهها لكل محبييك وجمهورك في كل مكان؟
-شكرا لأنكم تناقلتم شعري، على انفراد، كل حسب طريقته، لقد دافعتم عن الجمال، وكشفتم غش بعض الدور النشر التي تزعم أن الشعر سلعة بائرة. أبطلتم ذلك باحتفاء عجيب، نادر وجميل، وهذا يكفيني جائزة ووساماً، وشكرذ لك الجميل أحمد السالم على هذا الحوار محبتي لك.

عن محرر المقال

رائد الهاشمي سفير ألنوايا ألحسنة وسفير السلام العالمي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية