قراءة
أولى لـ (غائية التعالق وسمات التفكيك) في ديوان (مزاغل للعتمة) للشاعر قيس مجيد المولى
كتب الأستاذ - محمد شنيشل الربيعي
إن لفظة
(نصوص) في ذيل مُدخل العتبة من اللوحة التي اختارها (قيس مجيد المولى)، إنما تشير الى
أن هنالك قصد مسبّق يجر القارىء الى تساؤل منهجي هو : ما غائية النص، وكيف هو النص
الأدبي ؟
وهذا
ما يريد القارىء أن يتعرف عليه قبل أن يلج الى عالم المزاغل وعتمتها عند قيس مجيد المولى،
وهو أول قوة تقف بوجه الألفاظ البالونية التي تتخذ أكثر من شكل، وبالتالي أكثر من دلالة،
ويختمها عقل القارىء في التجنيس .
لقد
أُستخدم مفهوم (الغائية) في الفلسفات التقليدية القديمة من أجل استبطان وتوضيح الشيء،
وما يهدف اليه، وما يمكن أن تساق من أسباب لإقامته حجة على الكتابة، وهذا ما يجعل
(قيس مجيد المولى) أن يحطم تبعات الدلالة البِكر في نصوصه، إذ ليس من المعقول أن يقدم
أنموذجا غير مستوفي لقضية التفكيك، ووجود الغائية منه، في قضية الكتابة، وتبعات الإسلوب
.
إن من
العسير إجلاء مفهوم النص وهتك ستره حتى مع وجود تتابع لمفهوم أخر يكون أشبه بالعامل
المساعد، لكن هنالك مداخل خجولة نعول عليها في إعطائنا فسحة للحرية الفكرية، محاولة
منا لهتك ذلك الستر، منها (أرخنة النص، وماهية اللغة، وتعريف الدلالة المتعددة، والخوض
في السياقات على أنها أيهام تصلنا الى ذلك الحجب وتنقل الينا ما يمكن هتكه) وهذا كله
يصب في إيجاد مباحث قد ذكرناها في كتابنا
(المكرور
الإنزلاقي... وأبديات العود النصي ) .
إن لفظة
نص أشمل من لفظة شعر، أو قصيدة قد وضِعت في مقطوعة لغوية، وأقل من كلمة معرفة لو أحصينا
بها مستويات الحجوم الحقيقة، وذلك لأن القرائن المتعددة في تقديم النصوص هي أنماذج
ليس لها حجم واحد، وإطلاق واحد، ودلالة واحدة، وإنما تجمع على أنها مبحث قد يلازم الكتابة،
والمعرفة، وبالتالي ينبغي أن يكون النص الشعري فلسفة تتكئ عليه المعارف، وعلى مباني
(نيتشه) أن أصل الفلسفة شعر .
ما زال
التشابك المعرفي في الكتابة يسود المشهد النصي في تعيين حقيقته عند القارىء، الذي يتساءل
باستمرار : ما النص في حقله الأدبي ؟
إذا
كان النص يلتقي تكوينيا مع المجالات المعرفية، فنحن إنما نلتقط مجزئاته المصورة في
أذهاننا حينما تلتقي الكتابة مع الفكر وتنزيف العقل للأخير بعيدا عن المعجمات التي
ذكرت تعريفاته بما لا يتوافق وما نقدمه من متون أدبية حفر فيها العقل بجهد قد بالغ
فيه، فأتم الدلالة على أنها غير منتمية لعقل أو فكر واحد إيمانا أن الحقيقة التي نؤمن
بها قد حواها النص المكتوب لنؤكد التزاماتنا به دلاليا غير ملتفتين لإبديته .
إن منهجنا
في القراءات الأدبية إنما هو منهج البحث الغير مقترن بأسانيد الحالة النقدية، وهو إقتحام
حالة التمرد عند الإنسان الذي يعاني فقرا فلسفيا سيما وأنه فيلسوف في فطرته، وننتظر
من الكاتب في أي حقل أدبي أن يتداخل مع ذلك العمق لفحصه مرات عديدةواللعب على الإحتمالية
لهو خير ملعب للدلالة .
نظن
أن البحث اللغوي لا يجدي نفعا في معرفة الأصل التاريخاني للنص بعد أن تخلص من ضغوطات
اللغة التي فرضت عليه دلالات معجمية، ولأن الفهم الطبيعي له يتعلق بالعودة الى وجود
مركز تدور حوله العناصر التي شكلت عضويته .
إن حرفية
التخلص من اللغة وإن كانت في منهجيتنا هي نصف المستغرق الذي يتلاشى مع التقدمية النصية،
إنما يحتاج الى خبرات في القراءة والقطع بهذا الإيمان من لدن القارىء(لأن عدم محدودية
الدلالة ناتج من عدم محدودية وتشظي الخطاب) .
وعند
تلك الإنعطافة تتمركز نصوص قيس المولى في إجلائها لعوامل فكرية تقترب من الغائية بعد
أن يتبين للقارىء أن قيس المولى قد جمع أكثر من ثقافة في الكتابة، وقد أشبع نصوصه بـ
(النص المتنوع ثقافيا)، ليجد له معادلة تاريخية تؤمن بقدر إيمانها بتفكيك النظام الغائي
وذلك " من خلال تقرير عوامل زائدة في ماهية النصّ تستند إليها حقائق النصّ التي
تنداح دوائرها بتعدد هذه العوامل وتباينها، وهذه العوامل ترجع في مجموعها إلى سلطان
الواقع المتشكّل من البنى التحتية للنص، أو قل: سياقات التشكّل الأولى التي تفرز المعنى
النصيّ،"
الأسس
الفلسفية لأرخنة النصّ، د. عماد أحمد الزبن، جامعة الزيتونة الأردنية – كلية الآداب
- قسم اللغة العربية وآدابها ( الأردن )
هنالك
ضبابٌ
وحفلٌ
موسيقيٌ في باحة مشفى .
ما علاقة
ذلك
بالرجل
الذي دخل البناية ؟
قد يعمل
قيس المولى على أن يردم طبيعة التصحر الفكري من خلال تواصله مع الضرورة الوجودية التي
فرضت عليه أن يكون في أول البدء(غائيا) ينفصل بعدها ليكون في بؤرة (البرغماتية الفكرية)
من حيث يشعر أو لا يشعر، لتكتمل حقيقة البحث الذي تعلق به النص من الوهلة الأولى، قبل
قضية التفكيك التي عمل بها قيس مجيد المولى، أي أنه فكك نصوصه بطريقة القارىء، فقرأ
له قبل أن يقرأ الأخرون له، فيكون هنالك توافق بجمع السبيلين، سبيل القارىء الحر وسبيل
الكاتب القارىء، وإن طالت في سردياته حكيات الوجود وفلسفة الذات، فما كتبه آنفا ليكفي
أن تكون آليته قد وصلت بكامل عدتها الفكرية الى القارىء، سيما تواصله مع عناصر النص
الزائدة بشطره تارة، وباستئنافه أخرى، وباستطراده ثالثة...وهذا الغاء لحالة الأكسدة
الجملية التي تزحف الى دلالتها .
إن الحفر
في أثريات النصوص المجزءة في جسدها الواحد إنما تحتاج الى قارىء يجمعها في نص واحد
غير مجنس أو منمط ، ليحصل على الحرية المنهجية في القراءة .
لم يكن
قبلها جالسا قرب بحيرة
أو أحتسى
أو إستيقظت
مشاعره
حين
لامس العشب
ساق
امرأة شقراء
منظورهُ
الى الطموح
قضايا
ثانوية
منذ
نصف ساعة
سعل،
وابتسم،وملأ غليونه بالتبغ
وحرك
رماد المدفئة
................
.................
...............
(تجنيس/ مزاغل للعتمة، وخفايا للإنباء ص34،35)
قد يرى
القارىء أن مزاج الكاتب هو مزاج شعري إنقلابي على الأنماط والتجنيس عندما ترك الحرية
المطلقة للقارىء أن يجنس ما يكون تحت يده من نصوص، وهذا الأمر غير مسيطر عليه بحكم
التجربة النصية وعلاقتهُ مع الشعر، والترجمة، والنقد التي طبعت على كتاباته مسار إنعكاسية
التعالق، ولأننا نقدر الإستحالة في معرفة ذات النص خاصته، حتى في قضية الإصدار الذاتي
للكاتب الذي يستطيع أن يترجم مشاعر النص وأفكاره ، وكلما أقترب منها إزدادت عنه بعدا،
كما سنقرأ في واحدة من نصوصه التي تقترب من النص المترجم بعدما غمرته الترجمة بهذا
العطاء الطبيعي .
قمت
بتنظيف
البيت
وكي
الملابس
وإعداد
الطعام
وملاحقة
بعض الحشرات
وفتح
النوافذ لتجديد الهواء
رغم
ذلك
كنت
تتشاجرين كثيرا معي
بخصوص
رسائل الصديقات
واحتفاظ
محفظتي بصورة لكاترين دينوف
.....................
...................
أغتاظ
لأيام
ولا
أنظر اليك
بل أنظر
في المرآة لأراكِ
وأبتسم
................
...................
فأكتب
نصوصا جديدة
عن الغيوم
والأمطار
وعن
أزلية الكون
الذي أشّك في أزليته بدونك مزاغل العتمة ، ص98

