إليك يا أبي طريقاً أخرى تعلن الحب والحقيقة ، وتسافر الأرواح في ملكوتها نجوماً وبيارق ، لأجل نشيد الفرح ولشجرة تنمو غضباً ومشاعل .
أتوجه إليك بهذه الرسالة ، أحدثك عن أحوالنا وقد طافت حولنا الغربان .
بعيدةٌ تلك الخطوات ، بعيدةٌ ، يسكنها حلمٌ مستحيل ، وعلى ضفافها تجري خطواتي القريبة .
ذهبت بعيداً في التيه كطائرٍ مشرد ، أبحث عن ظلٍ يؤويني تحت سماءٍ ممزقة.
باعدت الحرب بيننا وجعلتنا نهباً للريح والجنون ، تطاردنا الغيلان في غابةٍ موحشةٍ ومطيرة .
بعيدةٌ تلك الخطوات ، وما زال الطفل داخلي يستعيد الذكريات ويستعيد تلك الساعات والأيام الطويلة في الحقول والمراعي وفي مدارات التيه الطويلة تحت زخات المطر وتحت رحمة البرق والرعد والوجوه الغريبة التي أتت من بعيد لتشكل بديلاً لذاكرة الطفولة وذاكرة المكان الذي أحفظه كقصيدة قديمة ويسكنني كخمرةٍ معتّقة.
المكان مقفرٌ الآن ، وأشجارٌ عالية تحترق ، يلتهمها الجوع والغضب ..
وهناك وجوده تنتظر ، تنتظر لمجرد الانتظار ربما .
خلعت عنها الأقنعة والوجوه المستعارة ..
لديها إيماءاتها وروايتها التي ستقال !!
كم هي قاسيةٌ حياة الفلاح وهي تبتعد أكثر وأكثر عن خطواته الأولى ، الأرض بعيدة ٌ والمواسم بعيدة ، في رحم الفوضى والنسيان وقساوة المشهد الذي يلقي بظلاله على قتامة موسمٍ ينذر بكارثة .
يستيقظ صباحاً وأمام حالةٍ من الصراع اليوميّ ، وبعد أن يعد العدة للرحيل المبكر صوب جنته المنتظرة في فردوسه البعيدة / القريبة .
الأرض سيّدة الذكريات تلقي بكامل حمولتها في قلبه المفعم برائحة التراب .
هذا التراب المخضب بحناء ٍ قديم ، ربما يحمل دم شهيدٍ أو شهيدة ، وربما مرّ عليه نبيٌّ يحمل قنديله الهادي ذات مسيرة !!
هنا أعراس الذاكرة ، يستيقظ كل يوم على صفحات ٍ من سفرٍ طويل من تراتيل عاشقٍ أدمن هويته وأدمن ارتباطه بالمكان باعتباره الفردوس ، وباعتباره باب السماء .
كانت المواعيد المؤجلة قد وصلت لتوها بعد غياب قسري لتضع حمولتها في فيض الذاكرة ، صاغ الفلاح لحن أرضه فكانت الفأس في يده نداً وكانت أنفاسه فيها ترانيم عشق وعهدٍ قديم تفيض به قريحته المسكونة بالزعتر البلدي ونشوة السفرجل .
هنا في أعراس الذاكرة ، تستعيد الأرض هويتها المغتصبة ، وتستعيد العرائس والعمائر والأنهار والبيارات بهجتها ولغتها الأولى ، وتصير الفصاحة سيّدة الحالة ، وتلغي غياباً طالت فصوله ، تلك الفصول القاسية والمؤلمة التي أسدلت على محطات ٍ قريبةٍ وبعيدة من يوميات نكبةٍ صبّت نار غضبها في مرايا أحلامنا وفي مهجة أيامنا ، فكانت المحرقة وجه شؤمٍ وخراب ، وقد أوقدت النار من حولنا ، من كل ناحية ، فإما موتٌ أو موت .
تغيب طويلاً ، وتبقى لعنة المحرقة وشيطان الموت الذي يطارد ملائكة الرحمة هنا وهناك ، في كل زقاق وفي كل حي .
ويبقى الكنعانيً بأسمائه الحسنى فارس المكان وحافظ أسراره .
لعله يأتي من جديد ليحاكي ماضٍ مجيد على أبواب حاضرٍ يلهث على عتبات مستقبل يكتنفه الغموض ، لعله يأتي وفي جعبته حكاياتٌ وأمنيات جديدة .
كان في السابق يبحث عن محبوبةٍ صنعتها يداه !!
كانت تمثالاً من رخامٍ وردي .
وكانت أسطورة كنعانية تغمد جذرها في الأرض وفي تابوت الرب !!
وهذا المشاكس ، معفر الرأس ، غريب الأطوار ، الخارج من مغارته بعد غياب ، جاء يغني موّال بداوته ، ويقود قطيعه مع أنفاس صبح نديٍّ ، يصلي جبلاً شامخاً ويصلي لربه تيمناً بالصالحين والأسلاف الذين ذهبوا نحو حتفهم لا رجاء لهم من حياة ولا أحلام لهم سوى أن تبقى الذكريات وأن تبقى الأرض والسماء حبلى بأعياد مسرتها .
انه الراعي البعيد ، وقد انشقت الأرض وابتلعت ربيعه البعيد وصلبت على أعوادها فتوته الخشنة فخانته المواعيد وقذفت به عميقاً في متاهة التيه !!
تضيع البلاد في ملكوت جهاتها القصية.
ترحل في فوضى الشعارات ومهاترات ومهارات التناقض ، يتقنها البعض كلعبة لا بد من القيام بها وإدمانها .
نتوجس خيفةٍ من واقعنا الأليم ولا نلتمس بقعة ضوء نقيم في كنفها خيمةً أو غيمة !!
نتشظى في متاهات ومناخات جديدة لا تعرف أولنا ولا نعرف آخرها !!
ونقع في المحظور وفي لجّة رحلةٍ متلاطمة الأمواج والأهواء ..
والكل سراب !!
نتلظى في سجالاتنا وفي نزعاتنا الصغيرة التي أعمت عيوننا عن الحقيقة ، وجعلت روحي نهراً متجمد الجداول كعروق إمام !!
هو السراب إذن .. يحاصرنا ويقتحم علينا خلوتنا ويدنس أفكارنا ويقهر يومنا ، يتواصل فينا ويدخل في سترتنا وفي سرنا ويصلبنا على مشنقة الوقت .
خرجوا يهيمون على وجوههم بعد قصفٍ ونزفٍ وعذاب ، توزع الناس في كل مكان وخطواتهم البعيدة ما زالت قريبة ، وتوزعت الخيام وبيوت الصفيح هنا وهناك ، ومنهم من اتخذ مغارةً على تلةٍ بيتاً ومعبداً ، ومنهم من قذفتهم العواصف بعيداً عن مرابع الطفولة وعن بيارات ومراعي ومهجة الذاكرة .
أولئك الأوغاد ، أشباه البشر وعبدة الدم ، أتوا إلى هنا من بعيد وما زالوا غرباء ، ترفضهم هذه الأرض ، وترفضهم هذه السماء ، فهم خارج أرضٍ وسماء !!
طردونا من حواكير منازلنا ومن سقوف قصائدنا ومن ضوء وضوئنا ومن المكان ، وكأن هذا المكان يقبل التجزئة ، هم لا يعرفون ما قيمة هذا المكان الذي يسمى الوطن ، بنوا عليه مساكنهم ومعابدهم وجدرانهم وأحلامهم المصطنعة وهويتهم الغريبة التي لا يتقبلها المكان لأنها شاذة وبعيدة عن جوهره وسجاياه .
هذا الوطن ، هو وطن الشهداء منذ بدء الخليقة وهو مهد الشهداء حتى تنتهي الخليقة ولن يمروا أبداً ، لأنهم " عابرون في كلام عابر " !!
**
تتوه البلاد في دورة الحياة والموت ، في الغضب العارم وصخب اللحظة حيث تخرج الجماهير في كل مكان تواجه قرار ترامب الأرعن باعتبار القدس عاصمة للاحتلال ، تمور الأرض بالغضب الشعبي ، بالمواجهة والاشتعال مذكرةً بأيام الانتفاضة الأولى .
رغم الأوجاع والدماء وحجم التضحيات ، ما زال الشعب سيّد الموقف ، يوجه البوصلة بكلتا يديه ، واثق الخطوة مقداماً في ميادين النضال ، مشتعلاً بنشيد الحجارة والمقاليع المتوهجة مثل قصائد مستعادة من دفاتر الماضي الجميل .
شهيدٌ تلو شهيد ولم تسقط راية النضال ، وظل العلم الفلسطيني بألوانه الزاهية ( الأحمر والأبيض والأخضر والأسود ) يرفرف فوق الجرح ، ينادي لمجد الحكاية التي يسطرها شهيد اليوم ، جيلاً بعد جيل .
**
أبي وصديقي :
ذهبت بعيداً بيديك المشققتين وقلبك البيسان ، باقٍ فينا بطيبتك وبساطتك الآسرة ، تحمل أوجاعنا وذكرياتنا وتحمل كل الحّب الذي علمتنا الخطوات الأولى إليه .
رحلت إلى ملكوتك ، فسلامٌ عليك دنيا وآخرة .
• شاعر من فلسطين

