ملايين من ذرات الرمل تعدو هنا وهناك، تلامس وتدغدغ قدميّ المنغرستين بينها شجرتا نخل، تتسلقهما كأنما جحافل نمل تهاجم فريسة، وأنا أنظر بكثير من المتعة والتأمل هذه المساحات الشاسعة من اللون الواحد الذي تتلاعب به أشعة الشمس ليغدو متبايناً ومتفقاً في آن معاً، لم أكن أظن يوماً أني سأقف جسماً غريباً وسط هذه الصحراء، لتأتي حبيبات الرمل تتأملني، تتحسسني بكثير من الفضول، بل وتتسلق ساقيَّ، تتساءل عن سر وجودي بينها. أنحني وأرفع بين كفيّ الكثير من هذه المخلوقات، فتبدأ تتملص من بين أصابعي وتفر هاربة مني مبتعدة مع هبّات خفيفة من الهواء، كما تتملص أشعة الشمس من كف طفل يحاول عبثاً القبض عليها، أعيد الكرّة ثانية وثالثة فتضحك مرافقتي، وتهمس بصوت هادئ، بنغم نايٍ يأتي من أعماق عازفه: ما بكَ ؟ فأرد هامساً: انظري إلى هذه المخلوقات كم هي رائعة، تتسلل إلينا بهدوء و تغادرنا بهدوء. فردت بذات الصوت: عندما تعود إلى البيت ستجد بعضها قد تعلّق بك بهدوء أيضاً ليغدو الخلاص منها صعباً، سيّما إن أصرّت أن تلاصق جلدك وتختبئ وراء الشعر الكثيف، وتضحك، فأضحك أنا: أنتِ أدرى بجيرانكِ لكنني أتمنى لو أقضي ليلة ها هنا، ستكون تجربة مثيرة حقاً ولن تفارق الذاكرة على ما أعتقد. لَم تُعقّب على ما سمعت لكنها قالت: هناك أماكن كثيرة ستتمنى لو تقضي ليلك فيها، وستكون كذلك تجربة مثيرة..
كانت الشمس قد بدأت رحلة المغيب، فاقترحت حِصة أن نبدأ العودة لئلا نضل طريقنا وسط الرمال، كانت المدينة قد بدأت تبدو من بعيد وهي تشعل أنوارها، والسيارة تتمايل بين الكثبان صعوداً وهبوطاً حتى خلت أني دون حزام الأمان يمكن أن أقفز خارجاً، وعند كل صعود وهبوط كانت تطلق صرخات فرح طفلة على أرجوحة في بلادي، كنت أتأملها وهي تقود بمهارة أغبطها عليها..
دقائق معدودة مرت بصمت وتأملٍ انقطعت بصوت حِصة قائلة بحماس: ألا تشم شيئاً؟ أجبت، أنا لا أشم إلاّ رائحة البخور التي تفوح منك. إنها رائحة البحر، قالت، وأردفت: نحن على مسافة قريبة منه، لا يفصلنا إلاّ هذه المباني الشاهقة، انعطفت يميناً لتخرج في طريق فرعي، وما أن ترجلنا من السيارة حتى أزاحت عن رأسها ذاك الغطاء الرقيق فتطايرت خصلات شعرها، وقالت: كم أعشق البحر! قلت: وأنا كذلك، أعشق أي مكان لا تتكسر عليه نظراتي، لا فرق بين الصحراء والبحر، ففيهما يمكن أن أرنو إلى ما لا نهاية، وكلاهما تتلاعب به الأضواء ليغدو لوحةً متميّزة من درجات اللون الواحد.
أنت مسكون بهواجس الفلسفة، قالت، و تابعت: لم لا تأخذ الأشياء ببساطة! هكذا هي الحياة، البحر بحرٌ والرمل رملٌ، تأمل كما يحلو لك، وصل إلى مكنونات الأشياء كما تهوى، ولكن لاتدع هذا يفقدك الإحساس بمتعتها، انظر كم هي جميلة هذه الأمواج الهادئة ! وما أجمل الإحساس بها وهي تدغدغ القدمين الحافيتين! رفعت عباءتها قليلاً لئلا يصيبها البلل، وانطلقت تركل الأمواج الصغيرة بقدميها وهي تضحك بفرح غامر. سألتها ألا تحبين السباحة؟ هزت رأسها بالإيجاب فيما كانت تنتظر موجة أخرى لتركلها، وقالت: لكنني لا أتقنها. عجبت لذلك، وكأنها أحست باستغرابي فتابعت: تقول أسطورة عندنا أن المرأة أصلها حورية عشقت صياداً وغامرت بعالمها لتلتحق بعالمه، فانقلب ذيلها إلى ساقين ممشوقتين، ونحن حفيداتها نحب أن نغمس الساقين بماء البحر علنا نعود إلى موطننا الأول. ابتسمتُ: ألا يكفيك أن تكوني حورية على اليابسة حتى تودين أن تكونيها في الماء!
ضَحِكَت: وما يضيرك أنت؟
كيف لا، وكيف سأراك ثانية؟
عليك أن تسهر كل ليلة، وأردفت بدلال: قد أطل عليك من بين صفحات الموج الرقراقة في ليلة مقمرة، فأعشقك، وتُذيبني عشقاً، فأكرر ما فعلته جدتي الأولى.
جميل هذا الحلم، لتأتي إحدى حفيداتك وتفعل ذات الشيء مع رجل آخر، وهكذا لا تنتهي الحكاية....
نضحك، بل نقهقه، ونتراكض على رمل الشاطئ مبددين سكونه، حتى يُلجِئُنا التعب إلى الارتماء أرضاً، فتبدأ تحدّق: آه ما أجمل البدر الليلة! أشيح بوجهي، لكنني أكره البدر. ماذا..ماذا؟ باغتتني بصوت حاد، شاعرية وإحساس مرهف وتكره البدر ؟ كم هو غريب أمرك!
أعجبتني ثورتها، فهمست: أتعلمين، أنت بحر وصحراء معاً، لك ذات الأطباع، فعندما تكونين هادئة تكونين جميلة، وعندما تثورين يكون لك جمال آخر، لكنك في الحالتين رائعة.
تبتسم، ولكنك لن تهرب مني، ما الذي لا يُعجبك في البدر؟؟؟
همستُ : أحب القمر نعم إلاّ في حالة البدر، يُشعرني بالاختناق ، أحس أني حبيس قمقمٍ مغلق لا منفذ له إلا هذه الفتحة الدائرية البعيدة التي تُسمونها بدراً..
نظرت إليّ بطرف عينها، وهمست: ألم أقل لك لا تدع فلسفتك تُذهب نكهة الأشياء؟! لم أجب، ولم تنتظر مني جواباً بل نهضت، وبكفيها المخضبتين راحت تنفض ما علق على عباءتها من حبيبات رمل، ثم عاودت الركض فيما بدأت كفاي تغرفان الرمل المبلل وتكومه لتشكل مجسّماً لحورية تنتظر صياداً يعشقها ويحيلها إلى امرأة تجري على اليابسة..
كانت حِصة ترقبني من بعيد، وكنت كلما أنجزت جزءاً من الحورية أزداد حماسة، حتى شارف الليل على الانتهاء، من بعيد كان ما صنعته يداي يبدو حورية حقيقية مستلقية على الشاطئ وهي تنظر للبعيد. أوصلتني حِصة إلى منزلي بعد أن تواعدنا على الالتقاء قبيل طلوع الشمس لنحتسي القهوة معاً.
في الصباح كانت حورية الرمل قد اختفت، قلت: لعل الموج أعادها على موطنها، فأجابت وهي ترشف القهوة: أو لعلها عشقت صياداً فتحولت إلى امرأة وذهبت معه. نظرتُ إليها طويلاً، لأول مرّة أتأمل أنثى مع شروق الشمس، امتدت أصابعي لتعبث بخصلات شعرها المتطايرة مع نسيم البحر الصباحي، وهمستُ، لم لا تكون قد انغرست فيك أو انغرست أنت فيها، فأعطيتها من روحك.. بل ما يدريني أنها ليست أنت؟
مدّت ساقيها إلى الأمام بعد أن استندت إلى مرفقيها، هل تظن أن هاتين الساقين من رمل، قلت: وهل تظنين أني معتوه حتى أعشق امرأة من رمل..
امرأة من رمل، ها أنا أكرر هذا القول ثانية وثالثة حتى بعد أن عدت لمنزلي، امرأة من رمل يتسلل إليك بهدوء و يغادرك بهدوء، أبدأ باستبدال ثيابي، حبيبات من رمل تفوح منها رائحة البخور عالقة هنا وهناك على جسدي، فجاء صوت الناي: عندما تعود إلى البيت ستجد بعضها قد تعلّق بك بهدوء أيضاً ليغدو الخلاص منها صعباً، ابتسمت وعندما حاولت إزالتها أحسست بملمس خصلات حِصة بين أصابعي....
من مجموعتي القصصية " جسد"

