كلمة و نصف
لا ينظر الكثيرون لمؤسسة التعليم على أنّها عامل مؤسس للفكر، بقدر ما يرون فيها مرحلة اكتساب معلومات تؤهلهم للوصول إلى الدراسة الجامعيّة، وصولاً إلى الحياة العمليّة والانخراط في متاهة البحث عن الرزق، متناسين أنّ هذه المؤسسة هي اللبنة الأولى في خلق الفكر.
هناك ثلاثة محاور يجب أن تنال اهتماماً عالياً في البحث عمّا وصلنا إليه من حالة تردٍّ فكري، وانتشار تطرف، وانغلاق. هي: المنهاج، طريقة التعليم ، والتقويم. فمن خلال تصفّح سريع للمناهج في عدة دول عربية نجد أنّ المناهج بُنيت على الحفظ والتلقين، وأن الطالب الأكثر قدرةً على الاستذكار هو الذي ينال الدرجات العليا، وينال الحظوة، وبالتالي يحجز مكاناً له في أرقى الجامعات، وصولاً إلى المراكز القياديّة.
في ذاكرتي جملة منقوشة منذ أواسط الثمانينيّات، قالها عرضاً أحد أساتذتي في الجامعة :" هل المطلوب منّا أن نحشو الطالب بالمعلومات، ليتقيّأها لنا على ورقة الاختبار، فينال الدرجة العالية والتميّز"، توقفتُ طويلاً أمام كلمتي ( الحشو) و ( التقيّؤ)، كم كان أستاذي دقيقاً في استخدامهما، إذ وبكل أسف يمنع كثير من المعلمين طلبتهم من مهارات التفكير العليا كالتحليل والتركيب والتقويم، مكتفين بالحفظ والتسميع والتعداد، وحتّى أسئلة التعليل إمّا أن تكون الإجابة حرفيّة من الكتاب، أو يقوم المعلّم بكتابة الإجابة وما على الطالب إلّا النقل والحفظ، أو ( التقيّؤ) على ورقة الإجابة.
هكذا مناهج، وهكذا طرائق في التعليم، وهكذا أساليب في قياس التعلّم، لا بد أن تُنتج عقولاً منغلقة، لا تقبل أي نقاش في مسلّماتها، وتعتبره كفراً إن تعلق الأمر بالمسلمات الدينيّة. ولهذا تُغيّب الكثير من المواقف الرائعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، والأنبياء عليهم السلام، أو يتم المرور عليها عرضاً دون تمحيص، أو تعلّم ... وسأعرض أمثلة علّها تفيد :
أولاً : جاء في الكتاب المقدس - العهد الجديد - إنجيل يوحنا - الفصل / الأصحاح الثامن:"
1 أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون 2 ثم حضر أيضا إلى الهيكل في الصبح ، وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم 3 وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا . ولما أقاموها في الوسط 4 قالوا له :يا معلم ، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل 5 وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجم. فماذا تقول أنت 6 قالوا هذا ليجربوه ، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض 7 ولما استمروا يسألونه ، انتصب وقال لهم : من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر 8 ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض 9 وأماهم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم ، خرجوا واحدا فواحدا ، مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين . وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط 10 فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة ، قال لها : ياامرأة ، أين هم أولئك المشتكون عليك ؟ أما دانك أحد 11 فقالت لا أحد ، يا سيد . فقال لها يسوع : ولا أنا أدينك . اذهبي ولا تخطئي أيضاً "
لقد وضع النبي تلك الثلة أمام نفسها، قبل أن تحاسبوا الآخرين حاسبوا أنفسكم، قبل أن تقيموا الدين على الآخرين، أقيموه على أنفسكم، فأين نحن من هذا التوجيه الجميل في حياتنا العمليّة؟! طريقة تعليم رائعة، ومنهاجاً يُتّبع، والنتيجة .. لقد عرف الجميع الإجابة دون أن يخبرهم بها أحد ..
ثانياً:
جاء في صحيح البخاري :
عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلّي لم يُرد منا ذلك فذُكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم، فلم يعنِّف واحداً منهم "رواه البخاري 4119.
هذا الإقرار من النبي عليه السلام بحق صحابته في فهم الأمر الصادر إليهم، هو احترام وإعلاء لمكانة عقولهم، لم يُعنّف أحداً، كما لم يُبنْ ما كان قصده بالأمر لئلا يشعر بالحرج من فهمه على غير قصد رسول الله، فأين نحن من هذا في مناهجنا التي لا تزال ترسخ تحت أسئلة عدّد، اذكر، استخرج، وإن تجاوزت إلى ناقش .. فإنما المراد ضع رأي المعلّم !!!
ذات مرّة كنت أحضر حصة تربية إسلاميّة، وكان الطلاق والعدّة، وتحت عنوان الحكمة من العدة كتب المعلّم: التأكد من خلو رحم المرأة من الحمل، سألت – وأنا المشاكس كالعادة – في هذا الزمان لا نحتاج للعدّة، ففي اختبار بسيط يمكن أن يتم في المنزل، أو أي مختبر بسيط يمكننا التأكّد إن كانت المرأة حبلى أم لا، فردّ المعلّم: حتّى ولو تأكدنا فعليها العدّة، قلت إذاً هذه ليست الحكمة من العدّة، هو اجتهاد القدماء، وعليكم الاجتهاد الذي يتناسب مع العصر ومعارفه، الطريف في الموضوع أنه في الاختبار جاء السؤال عن الحكمة من العدة، وعندما رجعت للإجابة النموذجيّة وجدتها : التأكد من خلو رحم المرأة من الحمل !!!!!
ثالثاً :
أتمنّى على الجميع قراءة كتاب (الحيدة والاعتذار في الردعلى من قال بخلق القرآن)
وهو سرد لمناظرة حدثت بين عبدالعزيز بن يحيي وبشر المريسي وكان الحَكَم بينهما الخليفة المأمون. مناظرة ساد فيها العقل والحوار، لم يُكفّر أحدهما الآخر، والحكم بينهما الخليفة، فأي نضوج فكريّ هذا كنّا قد وصلنا إليه.
أتطلّع ليومٍ أرى فيه مناهجنا وقد بُنيت على فلسفة احترام العقل ، ولا أجد في اختباراتنا سوى ناقش، حلّل، ما رأيك، علّل، ... أسئلة أحسّ أنها تحترم عقل ومعرفة الطالب، ولا تتعامل معه على أنه مجرد وعاء نملؤه بمعارفنا على أنّها الحقائق الوحيدة، فنخلق نسخاً مسخاً منّا، عندها ستتوقف المدارس عن تخريج عقول مغلقة قابلة لاختراقها من أي فكر متطرّف متسربل بالدين غطاءً، لأننا لم نعلّمها إلّا السمع والطاعة، و(التقيّؤ المعرفي).

