نعم ، كما قال الفضلي ( الفضائيات مراهقة سياسية )
قديما كان مثلنا الدارج؛ (باب التجيك منه الريح سده واستريح) ساري المفعول، أما اليوم فقد باتت الريح تخترق أبوابنا عنوة، وتلج بيوتنا شئنا أم أبينا! تلك هي رياح الفضائيات، فأغلبها للأسف ريح صرصر عاتية، لاتأتي لنا إلا بالغبار وما يكدر الخاطر، في حين على كادرها الإتيان بالنافع والمفيد، ولاسيما في برامجهم السياسية.
مادعاني الى الحديث عن هذا الجانب، هو ماتفضل به الزميل الأستاذ قصي الفضلي في مقاله (الفضائيات مراهقة سياسية). وفي الحقيقة أني لاأضيف جديدا على ماذكره الفضلي بإطناب وافٍ وشرح كافٍ، بل على العكس، نهلت من سطوره ماشحذ افكاري وفتق قريحتي للبوح بشكواي مما وصلت اليه مستويات البرامج الفضائية، ولاسيما السياسية منها، طرحا وتقديما وهدفا.
فالسياسة كما معلوم هي النسغ الصاعد في جسد المجتمع، وعليها تعتمد بقية جوانبه، ومن المفترض أن تتعامل معها سلطة الإعلام كناقد ومحلل محايد، بغية وضع نقاط اليقين فوق حروف الشك المبهمة التي لايفك رموزها المواطن، إلا أن المعروض والمطروح في باحة الفضائيات لاأظنه يدخل ضمن البرامج الهادفة بشكل صحيح ومكتمل، فأغلبها تهدف الى التسقيط السياسي او الشخصي او المهني لشخصية معينة، والباقيات ليس لها هدف البتة، أو بالكاد يكون دورها سينوغرافيا لاأكثر. أما البرامج الحوارية السياسية فقد أفرغت من أهم مقومات نجاحها، وهو التعامل بحيادية مع ضيوفها، والخروج بجدوى تخدم الصالح العام دون مواربة او محاباة لفئة او شخص او جهة، على حساب القاعدة الأوسع المتمثلة بجمهور المشاهدين، والذين بدورهم يتحرقون شوقا لمعرفة الحقيقة كما هي، لا كما تظهرها القناة وفق سياسة ممولها او ايديولوجية الجهة التابعة لها.
ومايزيد الطين بلة، ويفرغ هذه البرامج من ثقلها ورصانتها وقوة حضورها التي من المفترض أن تتصف بها كمادة تلفزيونية، هو المستوى الثقافي المتدني لمقدميها، لغويا ومهنيا علاوة على الثقافة الشخصية التي يحملونها، مايزيد من سطحية ما يقدمونه، ويخرج به من إطار غائية الإعلام المتوخاة، ويدخل به في نطاق عشوائية الإعداد، وضعف الإدارة، وسوء التنظيم.
وكما قال نزار قباني “إن من فتح الأبواب يغلقها”، فإن غلق ابوابنا التي تأتي منها رياح البرامج السياسية الركيكة، هو أجدى وأنفع وأنجع من الاستمرار بمتابعتها والانصات اليها، فحسبنا “ريح” ساستنا أنفسهم تزكم أنوفنا، وتسد شهيتنا حتى عن متابعة (Tom & Jerry).

