-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قصي المحمود.. يكتب: دعاء


قصة قصيرة

كان يرفض دائما نزوح عائلته من العاصمة بغداد رغم إشتداد القصف الجوي عليها حتى شمل الأحياء السكنية منها وأنقطاع الماء والكهرباء وكل سبل الحياة الطبيعية.كان يعتقد البقاء في بيتهم أخف وطأة من النزوح ولكن. بعد أن سيطر الرعب على اطفاله من شدة القصف العشوائي لبغداد, وفي أخر اتصال له معهم..شعر  عليه أن يجد حل لتخفيف حالة الرعب لديهم...كان ذلك في عام 1991 من القرن الماضي؟؟
أستأذن من مرؤوسيه يومان للذهاب لعائلته فقد مضى أكثر من ثلاثين يوماً لم يزرهم..ورغم بعد المسافة..فوحدته العسكرية في البصرة وفي اقصى جنوب العراق..وعائلته في بغداد..وصل فجرا إلى البيت  فوجد عائلته في رعب مروع..وفي حالة ذهول غريب..استقبلته إبنتهه الوسطى لتقص عليه احلامها المرعبة
وتشرح له كيف إن صديقتها وأمها وهما مارتين قرب بناية الدفاع المدني المقابل لزقاقنا متجهتان للتسوق.. كيف تناثرت اشلائهما على أثر القصف العشوائي بقنابل عنقودية محرمة دوليا
ورغم إن هذا المقر ليس مقرا عسكرياً ..بل هو للأسعافات المدنية الطارئة من حرائق وكوارث طبيعية ولكن في نشرة الأخبار المضللة .. ذكرت وكالات الأنباء تم قصف مستودع  للمواد الكيمياوية..لم يكن امامه إلا الذهاب للريف حيث طفولته وموطن اهله..فأخته  هناك..وقسم من ابناء عمومته..وهكذا أخذ عائلته..وكل الذي اخذوه معهم..ملابسهم..وحاجياتهم التي يحتاجوها بشكل مؤقت ,حين وصل القرية تفاجأ بأن القرية مكتظة بالنازحين من العاصمة..منهم اقرباء ومنهم غرباء والقرية في نفيرإنساني ,فالعوائل النازحة للقرية اكبر من أن تستوعبها بيوت القرية..هناك من افترش الأرض العراء..وهناك من استظل بالبساتين..إضافة لما استوعبته بيوت القرية..عاتبته اخته:
-كان يجب عليك أن تجيء بهم قبل هذا الوقت..لم يجد لها جواباً..
ولم يكن له خيار,فقط البيت المتوفر كان هو بيت لأبن اخته مقابل بيتها.. بيت قيد الأنشاء ,يفتقد كل معايير السكن, تخترقه الرياح من كل صوب, وأرضه الترابية زحفت إليها الرطوبة من أثر المطر,لا شبابيك ولا أبواب..بيت لم يمتلك من اسمه إلا الطابوق المرصوص وجدرانه وسقوفه الأسمنتية..لم يكن امامه إلا القبول به..ولم يكونوا وحدهم فيه..فقد حشرت معهم عوائل قريبة لهم..استقر الحال بهم هناك..وكانت هناك لمحه إنسانية رائعة .. فقد تقاسم الجميع الأفرشة والمأكل..واستنفر الصغار والكبار..فغطت الشبابيك بالأقمشة كذلك الأبواب..ولما لم يكن هناك مواد تدفئة لكونه أوج فصل الشتاء ..لم يكن امامهم الا الأشجار اليابسة..فلا نفط ابيض ولا غاز للطبخ, ولعمل الخبز عاد الجميع للبدائية في كل مظاهر الحياة ..حتى الدقيق بدأ ينفذ وأصبح التقنين ضروري للجميع.. فكانت سمة تلك المرحلة التأريخية سمة تكافلية مجتمعية  لا مثيل لها في تقاسم الغذاء والتضامن الإنساني,من الطبيعي جداً أن تكون هناك معاناة للفوارق المكانية والمجتمعية  ,فعائلته تربت في العاصمة بغداد بما تحمله من أرث وحاضر حضاري مجتمعي يفتقده الريف وزوجته  من عائلته بغدادية ..حتى هو لم يعرف من الريف إلا ذكريات قسم منها بمثابة حلم لكونه طفلا حين انتقلت عائلته للعاصمة.زوجته كانت في شهرها الأخير..وكان ينتابه شعور ما..بأن المخاض قد يأتيها في أي لحظة ..فقد ولد كل اطفاله في زمن الحرب ..وكانت ولادتهم تتم في اليوم الأخير لأجازته..ربما هو  جزء من جانب نفسي يجتاح زوجته ويعجل بولادتهم..ولكنه كان يحرجه..فعليه البقاء معها..ولكن سيرته وموقعه كان شفيع له دائما لتأخره....حزم حقائبه, فقد حان موعد قدوم العجلة التي ستقله لوحدته العسكرية...ها قد وصلت العجلة بموعدها..دخل الى زوجته وأولاده مودعاً..وعندما هم بالخروج..سمع صوت زوجته الخافت الهامس الموجع والذي كان يتوقعه..لا تذهب...فقد جاء المخاض لم يتفاجأ..ولم يكن امامه إلا البقاء رغم علمه بأن الخيار العسكري لا يسمح له بذلك ولكن لم يكن امامه أي خيار ..وهو يعلم بمجرد الولادة سيتخلص من تعويذة تواجده ولكنه كان قلقا لأنقطاع المواصلات من جسور وذلك بتدميرها من قبل طيران التحالف الدولي الأقليمي وعزل مدن الجنوب عن كل مدن العراق ويدرك مدى صعوبة إلتحاقه بوحدته العسكرية ,اسرع بنقل زوجته لمستشفى مركز القضاء لكون القرية تخلو من مركز صحي أو مستشفى ..في المستشفى لم يكن هناك إلا طبيبة مقيمة وعاملة خدمة ,الظلام الدامس يلف ارجاء المستشفى إلا من فانوس خافت في صالة الطواريء..كانت أخته قد احتاطت لذلك فجلبت معها مصباحان الضياء فيهما اقوى من الفانوس ..كان المخاض في أوجه.أدخلوها لصالة الولادة والمستشفى ليس كما أسمه فلا صالة الولادة  هكذا والصالة فهما لا يملكان إلا الأسم..خرجت إليه والدته وتبعتها اخته وهما في حالة إنشراح ظاهرة على اساريرهما ..مبارك ..حلت بيننا عروسة أمورة ..تمتم بالحمد والشكر لله مما أعطى فهو دائما لا يفكر بجنس المولود بقدر سلامته وسلامة زوجته ولم يخطر في باله ما الأسم لها ولم يستحظرا مع زوجته الأسم في ظل الظروف وتسارع الأحداث .. فقد كان في قلق على زوجته والطفلة..ودخل إليها وهمس لها :الحمد على السلامة..فهمست له  بصوت خافت متعب وشعر بصعوبة خروجه:اخترت لها أسم فيه بشارة خيروبركة..إنه دعاء..دعاء لك بالعودة والسلامة..ودعاء السلام للجميع ....
(هذه القصة مقتطعة من رواية لي في طور الأعداد بعنوان ..بداية الرحلة للجحيم..)

عن محرر المقال

أيمن قدره دانيال

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية