كعادتي في الأيام السابقة بقيت ساهراً حتى مطلع الفجر... سيجارتي لا تنطفئ... أراقب ليل بيروت ، أراقب نجوم الدكوانة، أراقب النوافذ وأتخيل ما خلفها ، أتخيل حديثي مع تلك الحسناء ، وكيف نرتشف قهوتنا سويا ، وكالعادة أكتب هلوساتي بتلقائية تامة ، ضبطت المنبه على الخامسة فجراً لأراقب ميلاد النهار، وكيف للشمس أن تطارد آخر فلول العتمة في بيروت ، وألاحظ كيف يبدأ النهار مشواره ، أرتب نفسي على إن هذا اليوم استراحة، ولن نغادر الدكوانة ، إذا سأمشي في بيروت وحيداً، لكن كيف لي إن أسير في شوارع الدكوانة وحدي؟ ، كيف سأضيع في شوارعها ؟ كيف سأسير خلف أنثى تتلاشى من أمامي كتلاشي آخر نقاط الضوء في نهار كان يقف على أبواب المغيب ؟ وكيف لي أن أعود لأتابع تمايل امرأة أخرى ؟ كيف لي أن أستوقفها بحجة سوألها عن أي الطرق أسلك لأعود إلى مكان سكني؟
كانت هذه الأيام تصادف أيام أعياد عند الأخوة المسيحيين، وهي أعياد ميلاد مار إلياس ، مارروكز، وكانت الأديرة والكنائس والناس يستعدون للاحتفالات بهذه الأعياد.
بينما كنت غارقاً في أحلامي ، أتابع هذه ، وأتغزل بتلك ، وكل مارة او عابرة من أمامي كانت هي لونا ... كنت اناديها بهمس ... اتخيلني اهمس باذنها ... و حفيدي الذي يسكنني أقسم لي أن لا يوسوس لي ما دمت في هذا البيت يغويني بالخروج ، يصور لي الطرقات ، النساء ، المقاهي ، الباعة في الطرقات ، طُرق الباب ليوقظني وينقذني من هذا الذي يداعب مخيلتي ، كانت إنجيليا تطل بالقهوة ردت تحية الصباح فرددتها لها وضعت القهوة وغادرت ، وقبل أن تغادر قالت : استعد سنذهب بعد الإفطار في رحلة داخل بيروت .
سألت إلى أين ؟
قالت ستعرف في وقتها.
حسنا أنا مستعد، المهم أن أرى بيروت بكل ما فيها.
تناولنا إفطارنا أبا نجيب وإنجيليا وإنجي وأنا ، مولي تلك الرائعة الإثيوبية تقف هناك تنشغل بأمور أخرى ، أناديها مولي ستذهبين معي للأردن ؟
سألت بالطائرة ؟
-أجبتها بالتأكيد.
ارتعدت وقالت بلغة مكسرة: لا أنا ما فيه روح معك، أنا خاف من طائرة.
أكملنا إفطارنا ..استأذن أبو نجيب بالخروج .
وقالت إنجيليا : استعد محمد لنذهب الآن .
كانت الساعة تشير إلى العاشرة.
بدلت ملابسي وعدت
-سألت :هل أنت جاهز؟
- قلت :نعم .
قالت: إذن هيا .
هبطنا إنجيليا وإنجي وأنا إلى مرآب السيارات صعدت إلى الجيب شوروكي ، صعدت إلى جانبها، وصعدت إنجي في المقعد الخلفي .
أدارت محرك السيارة وبدأنا رحلتنا ، الشارع الخلفي للسكن والذي يمر بسوق الأحد ومن هناك إلى دوار أو ساحة جونيه ، نصعد الجسر على مهل ، صعدنا وهي تعرف لي المناطق التي نمر بها ، إنجي في المقعد الخلفي ، تضع سماعات الهاتف بأذنها وبصوتها الندي تغني مرة لفيروز وأخرى لملحم بركات ، شدني صوتها جداً، صوت ملائكي يجبرك على إبداء الإعجاب به ، صوت ينم عن موهبة مبشرة في الغناء .
في طريقنا التي تشعر إنه يصعد نحو السماء يعيد عمان للذاكرة عمان بكل ما فيها
قالت إنجي هذه ساحة الدكوانه .
قليل من الوقت عبرنا إلى ساحة معبدة تحيطها الأشجار من كل الجهات ، أشجار مثمرة وحراجية ، الزهور منسقة بشكل رائع ، كأن زارعها فنان ، كل ما فيها تم تنسيقه بشكل إبداعي ، الألوان التي تجبرك على الوقوف عندها ، سألت : أين نحن إنجيليا ؟
-قالت :نحن في دير مارروكز.
يا الله هل هذا دير ومكان للعبادة أم هو قصر أثري ، أم قصر لثري لبناني ، تجولت في المكان وكانت ترافقني إنجيليا وإنجي ، طفنا حوله ، تناولنا قهوتنا ، وقفت ببابه ، هذا بيت آخر من بيوت الله ... هنا يسكن الإيمان ، يقيم الطهر ، هنا صفاء النفس ، هنا تكون النفس ساكنة راضية كما تكون في أي معبد أو بيت من بيوت الله ، هنا يتجلى الإنسان بصدقه ، وشفافية نفسه ، هنا وفقط هنا شعرت بأني أتعرى من كل شيء ، من كل ما هو دنيوي وأرتدي من هذا المعبد وهذا البيت ثوب الإنسانية الشفاف .
المكان ساحر بإطلالته على بيروت ، للأسفل منه ساحة الدكوانة ، من هنا ترى بيروت كلها ، بحرها برها شوارعها ، كل الأشياء إذا ما نظرت إليها تبدو صغيرة، أو أصغر مما تتوقع .
التفت حيث الجهة المقابلة ... انثى بطول شجرة حور .. وبشموخ ارزة ..بهيبة البحر ... اصرخ بأعلى صوتي .. لونا ... يا طهر المكان وتسبيخة العابد ... يلون الزهر وعطره ... يا فرح البحر ... انا هنا . سألتني إنجيليا : ما بك يا محمد ؟.
قلت لونا هنا .
لا ادري بعد صرختي كم الخجل الذي سكنني ... ركضت الى السيارة ... ووقفت خلفها كي لا يراني احد .
طار الوقت سريعاً وسريعاًجداً، شارفت الشمس على المغيب ، ونحن هناك نلاعب الأطفال، حينا أتحدث مع الجميع ،وأستمتع بالأزهار حيناًآخر .
عدنا للسيارة من جديد ونحن نغنى للحياة .. للفرح ، للجمال ، عدنا طريقنا ، وفي طريق عودتنا من دير مارروكز كنت ألتقط الصور للشوارع والأبنية ، وكل ما صادفته عيني وتمكنت من تصويره ، لأني أعلم أنه لن تتاح لي فرصة العودة من جديد .
عدنا للبيت على أنغام صوت إنجي الدافئ الذي يعيد الروح لأيام شبابها ، عدنا وسؤال يجلدني : لماذا خلقت في هذا الزمن ؟ لماذا لم أخلق في زمن غير هذا الزمن؟ ترد الروح: ها أنت قد ولدت مرة أخرى وفي زمن أحببته وبين ناس أحببتهم، فكانوا لك أهلا، وبيتهم وقلوبهم لك موطناً .
**** يتبع "
من كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة الصادر عن دار الغاية للنشر والتوزيع .

