-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

اللغة في المسرحیة ... بقلم / بقلم عبد الصاحب ابراهيم اميري


للمهتمين  بالشأن  المسرحي
اللغة في المسرحیة ... بقلم / بقلم عبد الصاحب ابراهيم اميري

اللغة عزف على الوتر  
   المسرح عالمٌ کبیر ،عالمٌ فیه کل شيء کعالمنا الذي نعیشه ، عالمي وعالمک ،فیه الأزقة والشوارع ، فیه البیوت والعمارات ، وفیه الهواء التي تتنفسه الشخصیات ، ولولاها لما وجدت الحیاة ، فیه کلُ شيءٍ حيّ . حتی الجماد تجدهُ حیاً  
  لذا یعد المسرح ، فنَّاً هامَّاً و راقياً جدَّاً، ففي المسرح يلتقي الممثل بالمشاهدين وجهاً لوجه، فيتعرَّف على ردَّات أفعالهم بشكل فوريٍ دون اضطراره إلى سماع ملاحظاتهم وآرائهم بالطرق المعروفة وبعد وقتٍ لاحق كما في السينما والتلفزيون. يُطلق على المسرح أبو الفنون، فهو من أوائل الفنون، بدأ منذ زمن الإغريق والرومان.وفیه أدوات یستعملها الکاتب لکتابة نصهِ ، منها القصة والحدث والشخصیة.
والشخصیة  في المسرحیة قد تکون حاضرة وفاعلة ، وقد تکون غائبة وفاعلة ، وهي التي تحرک الأحداث ، کل الأحداث ، بمعنی آخر ، لا تظهر فوق المنصة ، ویکون لها فعلاً درامیاً ، یسّیر أحداث المسرحیة ،  کمسرحیة في إنتظار جودو لصموئیل بیکت ، بالإضافةِ الی  اللغة التي تعد  العامود الفقري  للمسرحیة  ، وخیر تعریفٌ لها  .
          إنّ اللغة في المسرحیة هي کالعزف علی الگیتار  ، والکاتب المسرحي الجید هو العازف الماهر ، الذي یعرف کیف یتعامل مع آلته ویعشق  هذا التعامل  ، وبالنهایة یعرف أصول العزف وفنونه  ، ویتأمل الأصوات التي تخرجها الآلة وکأنها  مولوده البکر .
كما يٌحتم على الكاتب المسرحى أيضاً أن يكون واعياً ومتمكناً من كل الأساليب والحيل الدرامية التى تمنحه القدرة فى السيطرة على مشاعر المشاهد وأفكاره بقدر الإمكان فلابد أن يكون قادراً على شحن اللغة المستخدمة بالحيوية وطاقات تعبيرية لا تتأتى لها فى الحياة اليومية رغم أنها نفس اللغة . (1)
والحوار   في المجال المسرحي یتمیز بقیم خاصة ، منها 
1-    يدفع إلي تطوير الحدث الدرامي .. ومن ثم تنتفي وظيفته كعامل زخرفي خالص.
2-    يعبر عما يميز الشخصية من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية والبيولوجية .
3-    يولد في المشاهد الإحساس بأنه مشابه للواقع مع أنه ليس نسخة فوتوغرافية للواقع المعاش.
4-   يوحي بأنه نتيجة أخذ ورد بين الشخصيتين المتحاورتين وليس مجرد ملاحظات لغوية تنطق بالتبادل.
        ولقد ظهرت أتجاهات حديثة في استخدام الحوار المسرحي كمجالات كلامية، ارتباطها بالقصة المسرحية ضعيف; لأن هدفها الأساسي هو التعبير عن قيم فكرية دعاوية معينة كما هو الحال عند (برنارد شو ) مثلا. وقد يقع الحوار المسرحي شعراً كله أو نثراً  ، عامياً أو فصيحاًً وقد يقع مزيجاً من تلك الأنواع ومن المعروف إنَّ الدراما  الإليزابيثية  أنطقت شخصياتها النبيلة طبقياً بالشعر الحر أو النثر المشعور.أما الشخصيات الوضيعة أو العامية أو الملهوية فقد أنطقتها بالنثر العادي وفي تاريخ الدراما العربية نجد بعض الأمثلة علی ذلك ".(2)
          كما يعتبر الحوار أوضح جزء في العمل الدرامي وأقرب إلى أفئدة الجماهير وأسماعهم ويُعبر به الكاتب عن الأحداث المقبلة والجارية في المسرحية وعن الشخصيات ومراحل تطورها. والحوار الجيد هو الذي تدل كل كلمة فيه على معنى ويكشف عن حقيقة معينة ، کما إنَّ تلک الکلمة لو نطقت بشکلٍ آخر ، قد تؤدي الی معنی معکوس ،  ولیست الکلمة وحدها تکشف عن معنی ، بل إن الصمت  والسکوت  والنقاط والشارة ، في النص المسرحي ترمز الی معنی ويعبّر عن تلك الحقيقة تعبيراً دقيقاً لا مبالغة فيه أو إفتعال. وبالتالي ،الکاتب الجید ،هو صاحب المیزان ،الذي یحسب وزن وثقل حوارهِ ومردودَ المتلقي ،ولا یکتب عبطاً ،
وهذه الحالة نعیشها  في حیاتنا الیومیة ،عندما نرید أن نقول شیئاً ، نفکر ماذا سیکون رد فعل المتلقي، فالکلام لا یأتي عبطاً ، والا  سیهدم العلاقات الإجتماعیة .
وسؤال یطرح نفسه  بقوة ،
ألیست الشخصیة المسرحیة ، هيَّ المسؤولة عن کل ما تقولهُ  وما لا تقولهُ (صمتها  وسکوتها وتأملها  أو تکتفي بالنظر  بأسالیب مختلفة للشخص المقابل )
فما هو دخل الکاتب هنا...؟
إنه یستطیع أن یحرک الشخصیات  .. دون أن یتدخل في حوارهم ولغتهم ....؟ تدخله  یعني الإبتعاد عن الواقع ..... ألیس هذا صحیحاً ..؟
الجواب :
لو کان الأمر کذلک ..لما تمکنا  في ساعة أو ساعتین من الوقوف علی عملٍ فنيٍّ متکامل ، فالکاتب  هو الوسيط الذي يحمل العمل الدرامي إلى أسماع وأبصار المتلقين. فالحوار أداة التخاطب والسمة التي تشيع الحياة والجاذبية في المسرحية وهي خاصية تميز المسرحية عن سائر الصور الأدبية.فالکاتب  یحذف الزائد ، ویقلم  الحوار والحدیث حتی یکون هضمهُ سهلاً ، مؤثراً ، یشد المتلقي الی أحداث المسرحیة .
        کما إنَّ خلف کل حوار مکتوب  حوارٌ لا مکتوب ، و الحوار الدرامي يخضع لطبيعة الجماهير وطبيعة العمل الفني فهو حوار ليس من أجل الشخصيات والأحداث فحسب ، وإنما من أجل
المشاهد. فالمشاهد
هو الطرف الثالث في الحوار كما أنه جزء أساسي في الحوار الدرامي. وهناك فرق بين الحوار الدرامي والمحادثة اليومية فالمحادثة هيَّ الكلام في الحياة ولا يوجد بها طرف ثالث. لهذا لا ينبغي أن يكون الحوار الدرامي صورة طبق الأصل من الأحاديث اليومية لأن نقل العمل الخاص في الحياة إلى العمل الدرامي لا يعطي أي متعة للمتلقي، كما أن الحديث اليومي قد يفتقر إلى الهدف الكلي أو الأثر الكلي" .  (3) . وهذا ما نلاحظهُ في حیاتنا الیومیة ، في ( الدائرة ، الحافلة ،وخاصة عندما تکون الرحلات طویلة ) .یسرد المسافر الی الجالس جنبهِ ، ودون أن یعرفه معرفة ً جیدة ، کل همومهِ الیومیة ، دون هدفٍ یذکر ، وبعد إنتهاء الرحلة یفترقان ، کل منهما  یذهب في طریق  ، ولا یلتقیان ، إذن ما فائدة هذا السرد ؟ وماهیَّ نتائجهِ ؟
فشأن المسرح والحوار المسرحي، یختلف کثیراً فللکلمة الف حساب وحساب
      لذا  علی الکاتب أن یقلّم الأشیاء  ویحضرها ، کما یحضر العطار  الأدویة من الأعشاب ، ویجعلها علاجاً لمرضاه .
        والحوار بالتالي وسیلة  من الوسائل التي تؤدي الی العقدة المسرحیة وتقدمها ، تدرجها  ، تسلسلها ، کما تکشف عن الشخصیات  وتعبر عن الأفکار  وتطویر الأحداث  والمساعدة علی إخراج المسرحیة .
     واللغة في المسرحیة  ، هيَّ لیست  لغة الحوار فقط . بل هيَّ  لغة الجسد ، والإشارة والفانتومیم  ، والصمت .. والسکوت المطلق  . یعجنها الکاتب معاً لیخلق منها  عجینة  تسمی  - دراما - ،  يشد بها أ وتار المشاهد القلبية والعقلية طيلة العرض المسرحي وبعده ... إنَّ هذا التصویر  یجعلنا أمام  مهمة الکاتب  الصعبة  ،  فعلیه  أن یری کل صغیرة وکبیرة ،ویتفاعل معها  ویجسدها  ، کما علیه  أن یجعل  حواسهِ  کلها تعمل علی کتابة النص ، حتی لا یفقد شیئاً من حلاوتها ..
           عند النظر الی التألیف المسرحي،کعنصر من عناصر  العرض المسرحي ، نجد إن ذلک العنصر في حقیقة الأمر ، مرکب إذ یتکون من عناصر أخری ،  تلک العناصر تتراکب مع بعضها من أجل إنتاج عنصر التألیف المسرحي ، المتمثل   في إنتاج النص المسرحي ، وخروجه  الی حیّز الوجود.
           لذا لابد أن یکون للکاتب لدیه قدرة کتابة نص مسرحي ،وملماً بحرفیات کتابة المسرحیة ، والی جانب ذلک قدرته عن التعبیر عن المضمون ، کما إنه  لابد أن یوازي بین الشکل والمضمون
للنص ، دون أن یطغي أحدهم علی الآخر ، فهو صاحب المیزان ، یجب أن یزن کل شيءٍ بقیراط ولکي یتمکن الکاتب المسرحي من أدواتهِ ، علیه قرآءة وإستیعاب أکبر قدر ممکن من النصوص السابقة علی مر العصور ، والتعرف علی أنواع المدارس المسرحیة، بل وأن یعیش العدید  من التجارب المسرحیة حتی یتشبع بحیاة المسرح وروحهِ ، وهذا یؤدي الی أثقال أدواته الفنیة وتکوین شخصیته المسرحیة  العاشقة للخشبة ،  بعد أن یثقلها بالدراسات الأکادیمیة في مجال المسرح الی جانب الموهبة  . والعشق الأبدي للمنصة.
إذا أجتمعت کل هذه الأشیاء عند الکاتب ، أستطاع  أن یدون  مسرحیتهِ بمهارة فائقة .

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية